بَاب فَضْلِ الْعِشَاءِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ - وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ - فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَصْحَابِي ، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ : عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا ، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ . أَوْ قَالَ : مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ . لَا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ .
قَالَ أَبُو مُوسَى : فَرَجَعْنَا ، فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْله : ( عَنْ بُرَيْدٍ ) هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ ، وَشَيْخُهُ أَبُو بُرْدَةَ هُوَ جَدُّهُ . قَوْله : ( فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ بَقِيعٍ وَضَمِّهَا مِنْ بُطْحَانَ .
قَوْله : ( وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي قَرِيبًا شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ لَيْلَةً يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ ، وَالْفَيْصَلُ فِي هَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا عَجَّلَ ، وَإِذَا أَبْطَئُوا أَخَّرَ . ( فَائِدَةٌ ) : الشُّغْلُ الْمَذْكُورُ كَانَ فِي تَجْهِيزِ جَيْشٍ ، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ .
قَوْله : ( حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، أَيْ طَلَعَتْ نُجُومُهُ وَاشْتَبَكَتْ ، وَالْبَاهِرُ الْمُمْتَلِئُ نُورًا ، قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ . وَعَنْ سِيبَوَيْهِ : ابْهَارَّ اللَّيْلُ كَثُرَتْ ظُلْمَتُهُ وَابْهَارَّ الْقَمَرُ كَثُرَ ضَوْؤهُ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : ابْهَارَّ : انْتَصَفَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ بُهْرَةِ الشَّيْءِ وَهُوَ وَسَطُهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ : إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ .
وَفِي الصِّحَاحِ : ابْهَارَّ اللَّيْلُ ذَهَبَ مُعْظَمُهُ وَأَكْثَرُهُ . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ : حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ . قَوْله : ( عَلَى رِسْلِكُمْ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا ، الْمَعْنَى تَأَنَّوْا .
قَوْله : ( إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ ) بِكَسْرِ هَمْزِ إِنَّ ، وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِالْفَتْحِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ فَهُوَ بِفَتْحِ أَنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ ، وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى فَضْلِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَا فِي الِانْتِظَارِ مِنَ الْفَضْلِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ الْآنَ لِلْأَئِمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ ، وَقَالَ : إِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ فَتَرْكُ التَّطْوِيلِ عَلَيْهِمْ فِي الِانْتِظَارِ أَوْلَى . قُلْتُ : وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعَتَمَةِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقَالَ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ وَحَاجَةُ ذِي الْحَاجَةِ لَأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ . وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا .
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ . فَعَلَى هَذَا مَنْ وَجَدَ بِهِ قُوَّةً عَلَى تَأْخِيرِهَا وَلَمْ يَغْلِبْهُ النَّوْمُ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمَأْمُومِينَ ، فَالتَّأْخِيرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ ، وَقَدْ قَرَّرَ النَّوَوِيُّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى قَبْلَ الثُّلُثِ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُسْتَحَبُّ إِلَى الثُّلُثِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : التَّعْجِيلُ أَفْضَلُ ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ وَقَالُوا : إِنَّهُ مِمَّا يُفْتَى بِهِ عَلَى الْقَدِيمِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَهُوَ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ ، وَالْمُخْتَارُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ أَفْضَلِيَّةُ التَّأْخِيرِ ، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرِ التَّفْصِيلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَرْحَى ) جَمْعُ فَرْحَانٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَمِثْلُهُ : وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى فِي قِرَاءَةٍ ، أَوْ تَأْنِيثُ فِرَاحٍ وَهُوَ نَحْوُ الرِّجَالُ فَعَلَتْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَرَجَعْنَا وَفَرِحْنَا ، وَلِبَعْضِهِمْ : فَرَجَعْنَا فَرَحًا بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَسَبَبُ فَرَحِهِمْ عِلْمُهُمْ بِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ عُظْمَى مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْمَثُوبَةِ الْحُسْنَى مع مَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَجْمِيعِهِمْ فِيهَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .