حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب وَقْتِ الْفَجْرِ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ : كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ( كُنَّ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُوَ مِثْلُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ لِأَنَّ قِيَاسَهُ الْإِفْرَادُ وَقَدْ جُمِعَ . قَوْلُهُ : ( نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ ) تَقْدِيرُهُ نِسَاءُ الْأَنْفُسِ الْمُؤْمِنَاتِ أَوْ نَحْوِهَا ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّ نِسَاءَ هُنَا بِمَعْنَى الْفَاضِلَاتِ أَيْ فَاضِلَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ فُضَلَاؤُهُمْ .

قَوْلُهُ : ( يَشْهَدْنَ ) أَيْ يَحْضُرْنَ ، وَ قَوْلُهُ : ( لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يُعْرَفْنَ أَنِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ ، أَيْ لَا يَظْهَرُ لِلرَّائِي إِلَّا الْأَشْبَاحُ خَاصَّةً ، وَقِيلَ لَا يُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَزَيْنَبَ ، وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ فِي النَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلُ لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ هَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ . قُلْتُ : وَفِيهِ مَا فِيهِ ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاشْتِبَاهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ ، وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا : إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مُتَلَفِّعَاتٍ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ ، ( وَالْمُرُوطُ ) جَمْعُ مِرْطٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ كِسَاءٌ مُعَلَّمٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَقِيلَ لَا يُسَمَّى مِرْطًا إِلَّا إِذَا كَانَ أَخْضَرَ وَلَا يَلْبَسُهُ إِلَّا النِّسَاءُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ مِرْطٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ . قَوْلُهُ : ( يَنْقَلِبْنَ ) أَيْ يَرْجِعْنَ .

قَوْلُهُ : ( مِنَ الْغَلَسِ ) مِنِ ابْتِدَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ أبي بَرْزَةَ السَّابِقِ أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ ، لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُتَلَفِّعَةِ عَلَى بُعْدٍ ، وَذَاكَ إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْجَلِيسِ . وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ لِشُهُودِ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُهُ فِي النَّهَارِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ أَكْثَرُ مِنَ النَّهَارِ ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِنَّ أَوْ بِهِنَّ فِتْنَةٌ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ مُخْتَمِرَةَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ التَّلَفُّعَ صِفَةً لِشُهُودِ الصَّلَاةِ . وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهَا إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْصِرَافِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث