حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ وَلَا يُعِيدُ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ مُوسَى : قَالَ هَمَّامٌ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : بَعْدُ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ للذِّكْرَى وَقَالَ حَبَّانُ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ هَمَّامٍ ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ ) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ هَمَّامٍ بِلَفْظِ فَلْيُصَلِّهَا وَهُوَ أَبْيَنُ لِلْمُرَادِ .

وَزَادَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوْ نَامَ عَنْهَا وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ الضُّبَعِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوُهُ ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ مِنْهُ الْقَائِلُ إِنَّ الْعَامِدَ لَا يَقْضِي الصَّلَاةَ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْسَ لَا يُصَلِّي ، وَقَالَ : مَنْ قَالَ يَقْضِي الْعَامِدُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ، لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى النَّاسِي - مَعَ سُقُوطِ الْإِثْمِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ - فَالْعَامِدُ أَوْلَى . وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى الْعَامِدِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ نَسِيَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ يُطْلَقُ عَلَى التَّرْكِ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ ذُهُولٍ أَمْ لَا ، وَمِنْهُ قُوْلُهُ تَعَالَى : نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ قَالَ : وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ لَا كَفَّارَةَ لَهَا وَالنَّائِمُ وَالنَّاسِي لَا إِثْمَ عَلَيْهِ . قَلت : وَهُوَ بَحْثٌ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ الْخَبَرَ بِذِكْرِ النَّائِمِ ثَابِتٌ ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ : لَا كَفَّارَةَ لَهَا وَالْكَفَّارَةُ قَدْ تَكُونُ عَنِ الْخَطَأِ كَمَا تَكُونُ عَنِ الْعَمْدِ .

وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْعَامِدَ لَا يَقْضِي لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ أَخَفُّ حَالًا مِنَ النَّاسِي ، بَلْ يَقُولُ : إِنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَهُ الْقَضَاءُ لَكَانَ هُوَ وَالنَّاسِي سَوَاءً ، وَالنَّاسِي غَيْرُ مَأْثُومٍ بِخِلَافِ الْعَامِدِ فَالْعَامِدُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ النَّاسِي فَكَيْفَ يَسْتَوِيَانِ ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ إِثْمَ الْعَامِدِ بِإِخْرَاجِهِ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا بَاقٍ عَلَيْهِ وَلَوْ قَضَاهَا ، بِخِلَافِ النَّاسِي فَإِنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْعَامِدِ بِالْخِطَابِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَدْ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ وَتَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَصَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ ، وَالدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِأَدَائِهِ فَيَأْثَمُ بِإِخْرَاجِهِ لَهَا عَنِ الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ لَهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَبُ بِأَدَائِهَا ، فَمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ مَعَ بَقَاءِ إِثْمِ الْإِفْطَارِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مُوسَى ) أَيْ دُونَ أَبِي نُعَيْمٍ ( قَالَ هَمَّامٌ سَمِعْتُهُ ) يَعْنِي قَتَادَةَ ( يَقُولُ بَعْدُ ) أَيْ فِي وَقْتٍ آخَرَ ( لِلذِّكْرَى ) يَعْنِي أَنَّ هَمَّامَ سَمِعَهُ مِنْ قَتَادَةَ مَرَّةً بِلَفْظِ ( لِلذِّكْرَى ) بِلَامَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا أَلْفٌ مَقْصُورَةٌ - وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَقْرَأُهَا كَذَلِكَ - وَمَرَّةً كَانَ يَقُولُهَا قَتَادَةُ بِلَفْظِ : لِذِكْرِي بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذِكْرِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ أَوْ هِيَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ هَدَّابٍ قَالَ قَتَادَةُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَفِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُثَنَّى ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْأُصُولِ مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ لِذِكْرِي فَقِيلَ الْمَعْنَى لِتَذْكُرَنِي فِيهَا . وَقِيلَ : لِأَذْكُرَكَ بِالْمَدْحِ ، وَقِيلَ : إِذَا ذَكَرْتَهَا ، أَيْ لِتَذْكِيرِي لَكَ إِيَّاهَا ، وَهَذَا يُعَضِّدُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ لِلذِّكْرَى . وَقَالَ النَّخَعِيُّ .

اللَّامُ لِلظَّرْفِ ، أَيْ إِذَا ذَكَرْتَنِي أَيْ إِذَا ذَكَرْتَ أَمْرِي بَعْدَمَا نَسِيتَ ، وَقِيلَ : لَا تَذْكُرْ فِيهَا غَيْرِي ، وَقِيلَ : شُكْرًا لِذِكْرِي ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ذِكْرِي ذِكْرُ أَمْرِي ، وَقِيلَ الْمَعْنَى : إِذَا ذَكَرْتَ الصَّلَاةَ فَقَدْ ذَكَرْتَنِي فَإِنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ فَمَتَى ذَكَرَهَا ذَكَرَ الْمَعْبُودَ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ لِذِكْرِ الصَّلَاةِ . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : الْأَوْلَى أَنْ يَقْصِدَ إِلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ ، وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِهَا ، لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَهَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى ، أَوْ يَقدر مُضَافَ أَيْ : لِذِكْرِ صَلَاتِي أَوْ ذِكْرِ الضَّمِيرِ فِيهِ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ لِشَرَفِهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَبَّانُ ) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ ابْنُ هِلَالٍ ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ لِتَصْرِيحِهِ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ حَبَّانَ بْنِ هِلَالٍ ، وَفِيهِ أَنَّ هَمَّامًا سَمِعَهُ مِنْ قَتَادَةَ مَرَّتَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُوسَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث