بَاب مَنْ قَالَ لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ
بَاب مَنْ قَالَ : لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ 628 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا ، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا ، قَالَ : ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ ، وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَالَ لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ فِي السَّفَرِ أَذَانَيْنِ وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ : أَنَّ الْأَذَانَ فِي السَّفَرِ لَا يَتَكَرَّرُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا ، وَالتَّعْلِيلُ الْمَاضِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُؤَيِّدُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فِي السَّفَرِ ، لِأَنَّ الْحَضَرَ أَيْضًا لَا يُؤَذِّنُ فِيهِ إِلَّا وَاحِدٌ ، وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى تَعَدُّدِهِمْ لِتَبَاعُدِ أَقْطَارِ الْبَلَدِ ، أَذَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي جِهَةٍ ، وَلَا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ التَّأْذِينَ جَمِيعًا بَنُو أُمَيَّةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَأُحِبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ ، وَلَا يُؤَذِّنُ جَمَاعَةٌ مَعًا ، وَإِنْ كَانَ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مِنْهُ مُؤَذِّنٌ ، يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ .
قوله ( في نفر ) هم من ثلاثة إلى عشرة . قوله ( من قومي ) هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة , وكان قدوم وفد بني ليث فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة : أن واثلة الليثي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتجهز لتبوك . قوله ( رفيقا ) بفاء ثم قاف من الرفق , وفي رواية الأصيلي قيل والكشميهني بقافين أي رقيق القلب .
قوله ( وصلوا ) زاد في رواية إسماعيل بن علية ، عن أيوب كما رأيتموني أصلي , وهو في باب رحمة الناس والبهائم من كتاب الأدب , ومثله في باب خبر الواحد من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب . قوله ( فإذا حضرت الصلاة ) وجه مطابقته للترجمة مع أن ظاهره يخالفها قوله : فكونوا فيهم ، وعلموهم ، فإذا حضرت . فظاهره : أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم وتعليمهم ، لكن المصنف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعد هذا ، فإن فيها : إذا أنتما خرجتما فأذنا .
ولا تعارض بينهما أيضا وبين قوله في هذه الترجمة : مؤذن واحد ، لأن المراد بقوله : أذنا ، أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن ، وذلك لاستوائهما في الفضل ، ولا يعتبر في الأذان السن ، بخلاف الإمامة ، وهو واضح من سياق حديث الباب ، حيث قال : فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم . واستدل بهذا على أفضلية الإمامة على الأذان ، وعلى وجوب الأذان . وقد تقدم القول فيه في أوائل الأذان وبيان خطأ من نقل الإجماع على عدم الوجوب .
وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في باب إذا استووا في القراءة من أبواب الإمامة ، إن شاء الله تعالى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِينَ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ لِلْمُسَافِرِ بِالْإِفْرَادِ ، وَهُوَ لِلْجِنْسِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً ) هُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ أَذَانَ الْمُنْفَرِدِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا التَّأْذِينُ لِجَيْشٍ ، أَوْ رَكْبٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ ، فَيُنَادَى بِالصَّلَاةِ لِيَجْتَمِعُوا لَهَا ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا هِيَ الْإِقَامَةُ .
وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ . وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ : إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي بَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ وَهُوَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْأَذَانِ لِلْمُنْفَرِدِ ، وَبَالَغَ عَطَاءٌ فَقَالَ : إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَلَمْ تُؤَذِّنْ وَلَمْ تُقِمْ فَأَعِدِ الصَّلَاةَ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، أَوْ يَرَى اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ لَا وُجُوبَهَا . قَوْلُهُ : ( وَالْإِقَامَةِ ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْأَذَانِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي كُلِّ حَالٍ .
قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِيهِ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَأَقَامَ لَمَّا جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ . قَوْلُهُ : ( وَجَمْعٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هِيَ مُزْدَلِفَةُ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَفِيهِ : أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ ) هُوَ بِالْخَفْضِ أَيْضًا .