حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ

بَاب الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ 751 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ : هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ ) لَمْ يُبَيِّنِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَهُ ؛ لَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ دَلَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ ؛ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّنْزِيهِ . وَقَالَ الْمُتَوَلِّيُّ : يَحْرُمُ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ .

وَوَرَدَ فِي كَرَاهِيَةِ الِالْتِفَاتِ صَرِيحًا عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ ، مِنْهَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ : لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ انْصَرَفَ ، وَمِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ نَحْوُهُ وَزَادَ : فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا ، وَأَخْرَجَ الْأَوَّلَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيَّ . وَالْمُرَادُ بِالِالْتِفَاتِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَسْتَدْبِرِ الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ أَوْ عُنُقِهِ كُلِّهِ . وَسَبَبُ كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِنَقْصِ الْخُشُوعِ ، أَوْ لِتَرْكِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِبَعْضِ الْبَدَنِ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيُّ ، وَوَافَقَ أَبَا الْأَحْوَصِ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ شَيْبَانُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَزَائِدَةُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَمِسْعَرٌ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ ، وَخَالَفَهُمْ إِسْرَائِيلُ فَرَوَاهُ عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، فَهَذَا اخْتِلَافٌ عَلَى أَشْعَثَ ، وَالرَّاجِحُ رِوَايَةُ أَبِي الْأَحْوَصِ . وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَسْرُوقٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَشْعَثِ فِيهِ شَيْخَانِ ، أَبُوهُ وَأَبُو عَطِيَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبُو عَطِيَّةَ حَمَلَهُ عَنْ مَسْرُوقٍ ثُمَّ لَقِيَ عَائِشَةَ فَحَمَلَهُ عَنْهَا .

وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فَشَاذَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( هُوَ اخْتِلَاسٌ ) أَيِ : اخْتِطَافٌ بِسُرْعَةٍ ، وَوَقَعَ فِي النِّهَايَةِ : وَالِاخْتِلَاسُ افْتِعَالٌ مِنَ الْخِلْسَةِ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ سَلْبًا مُكَابَرَةً ، وَفِيهِ نَظَرٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُخْتَلِسُ الَّذِي يَخْطِفُ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَيَهْرُبُ وَلَوْ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمَالِكِ لَهُ ، وَالنَّاهِبُ يَأْخُذُ بِقُوَّةٍ ، وَالسَّارِقُ يَأْخُذُ فِي خُفْيَةٍ .

فَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ بِالِالْتِفَاتِ إِلَى شَيْءٍ مَا بِغَيْرِ حُجَّةٍ يُقِيمُهَا أَشْبَهَ الْمُخْتَلِسَ . وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : أُضِيفَ إِلَى الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا مِنْ مُلَاحَظَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : سُمِّيَ اخْتِلَاسًا تَصْوِيرًا لِقُبْحِ تِلْكَ الْفَعْلَةِ بِالْمُخْتَلِسِ ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالشَّيْطَانُ مُرْتَصِدٌ لَهُ يَنْتَظِرُ فَوَاتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا الْتَفَتَ اغْتَنَمَ الشَّيْطَانُ الْفُرْصَةَ فَسَلَبَهُ تِلْكَ الْحَالَةَ .

قَوْلُهُ : ( يَخْتَلِسُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَخْتَلِسُهُ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ . قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ سُجُودِ السَّهْوِ جَابِرًا لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ دُونَ الِالْتِفَاتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْقِصُ الْخُشُوعُ ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْمُكَلَّفِ ، فَشُرِعَ لَهُ الْجَبْرُ دُونَ الْعَمْدِ لِيَتَيَقَّظَ الْعَبْدُ لَهُ فَيَجْتَنِبُهُ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ .

وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ أَعْلَامَ الْخَمِيصَةِ إِذَا لَحَظَهَا الْمُصَلِّي وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الِالْتِفَاتِ وَلِذَلِكَ خَلَعَهَا مُعَلِّلًا بِوُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَى أَعْلَامِهَا وَسَمَّاهُ شَغْلًا عَنْ صَلَاتِهِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ كَوْنُهُ يُؤَثِّرُ فِي الْخُشُوعِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الْخَمِيصَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ لَمْحَ الْعَيْنِ يَغْلِبُ الْإِنْسَانَ وَلِهَذَا لَمْ يُعِدِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الصَّلَاةَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث