بَاب وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ
بَاب وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ 755 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَزَلَهُ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا ، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا ، أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ، قَالَ : ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا - أَوْ رِجَالًا - إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ : أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ ، قَالَ سَعْدٌ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ . وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ : شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ .
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ) لَمْ يَذْكُرِ الْمُنْفَرِدُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ ، وَذَكَرَ السَّفَرَ لِئَلَّا يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ يُتَرَخَّصُ فِيهِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ كَمَا رُخِّصَ فِيهِ بِحَذْفِ بَعْضِ الرَّكَعَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَمَا يُجْهَرُ بِهِ وَمَا يُخَافَتُ ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ فَلَا يُبْنَى مِنْهُ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : قَوْلُهُ وَمَا يُجْهَرُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الصَّلَوَاتِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ ، وَالْمَعْنَى : وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَيُخَافَتُ .
أَيْ : أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَخْتَصُّ بِالسِّرِّيَّةِ دُونَ الْجَهْرِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ فَرَّقَ فِي الْمَأْمُومِ ، انْتَهَى . وَقَدِ اعْتَنَى الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصَنَّفَ فِيهَا جُزْءًا مُفْرَدًا سَنَذْكُرُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الشَّرْحِ مِنْ فَوَائِدِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ) هُوَ الصَّحَابِيُّ ، وَلِأَبِيهِ سَمُرَةَ بْنِ جُنَادَةَ صُحْبَةٌ أَيْضًا . وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِسَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَهُ مِنْ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا ) هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَهُوَ خَالُ ابْنِ سَمُرَةَ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ إِذْ جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَشْكُونَ إِلَيْهِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَتَّى قَالُوا : إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، انْتَهَى .
وَفِي قَوْلِهِ : أَهْلُ الْكُوفَةِ مَجَازٌ ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ شَكَوْهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَا كُلُّهُمْ ، فَفِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ : جَعَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَنَحْوُهُ لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَسُمِّيَ مِنْهُمْ عِنْدَ سَيْفٍ ، والطَّبَرَانِيِّ ، الْجَرَّاحِ بْنِ سِنَانٍ ، وَقَبِيصَةَ ، وَأَرْبَدَ الْأَسَدِيُّونَ ، وَذَكَرَ الْعَسْكَرِيُّ فِي الْأَوَائِلِ أَنَّ مِنْهُمُ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( فَعَزَلَهُ ) كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمَّرَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى قِتَالِ الْفُرْسِ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ الْعِرَاقَ عَلَى يَدَيْهِ ، ثُمَّ اخْتَطَّ الْكُوفَةَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا أَمِيرًا إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ ، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ سَنَةَ عِشْرِينَ ، فَوَقَعَ لَهُ مَعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَا ذُكِرَ . قَوْلُهُ : ( وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا ) هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ ، قَالَ خَلِيفَةُ : اسْتَعْمَلَ عَمَّارًا عَلَى الصَّلَاةِ وَابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضِ .
انْتَهَى . وَكَأَنَّ تَخْصِيصَ عَمَّارٍ بِالذِّكْرِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِالصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ الشَّكْوَى . قَوْلُهُ : ( فَشَكَوْا ) لَيْسَتْ هَذِهِ الْفَاءُ عَاطِفَةً عَلَى قَوْلِهِ فَعَزَلَهُ بَلْ هِيَ تَفْسِيرِيَّةٌ عَاطِفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ شَكَا عَطْفَ تَفْسِيرٍ ، وَقَوْلُهُ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ اعْتِرَاضٌ إِذِ الشَّكْوَى كَانَتْ سَابِقَةً عَلَى الْعَزْلِ ، وَبَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ الْمَاضِيَةُ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي ) ظَاهِرُهُ أَنَّ جِهَاتِ الشَّكْوَى كَانَتْ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَمِنْهَا قِصَّةُ الصَّلَاةِ . وَصُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوْنٍ الْآتِيَةِ قَرِيبًا ، فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَسَيْفٌ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ حَابَى فِي بَيْعِ خُمُسٍ بَاعَهُ .
وَأَنَّهُ صَنَعَ عَلَى دَارِهِ بَابًا مُبَوَّبًا مِنْ خَشَبٍ ، وَكَانَ السُّوقُ مُجَاوِرًا لَهُ فَكَانَ يَتَأَذَّى بِأَصْوَاتِهِمْ ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ : انْقَطَعَ التَّصْوِيتُ . وَذَكَرَ سَيْفٌ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ يُلْهِيهِ الصَّيْدُ عَنِ الْخُرُوجِ فِي السَّرَايَا . وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ : رَفَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَشَفَهَا عُمَرُ فَوَجَدَهَا بَاطِلَةً .
ا هـ . وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ عُمَرَ فِي وَصِيَّتِهِ : فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ . قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : فَوَصَلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَجَاءَ إِلَى عُمَرَ ، وَسَيَأْتِي تَسْمِيَةُ الرَّسُولِ .
قَوْلُهُ : ( يَا أَبَا إِسْحَاقَ ) هِيَ كُنْيَةُ سَعْدٍ ، كُنِّيَ بِذَلِكَ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ ، وَهَذَا تَعْظِيمٌ مِنْ عُمَرَ لَهُ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَقْدَحْ فِيهِ الشَّكْوَى عِنْدَهُ . قَوْلُهُ : ( أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ ) أَمَّا بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ لِلتَّقْسِيمِ ، وَالْقَسِيمُ هُنَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : وَأَمَّا هُمْ فَقَالُوا مَا قَالُوا . وَفِيهِ الْقَسَمُ فِي الْخَبَرِ لِتَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِالنَّصْبِ أَيْ : مِثْلَ صَلَاةِ . قَوْلُهُ : ( مَا أَخْرِمُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ : لَا أُنْقِصُ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاة أَنَّهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَفِعْلُهُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَاسْتَضْعَفَهُ . قَوْلُهُ : ( أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ ) كَذَا هُنَا بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ لِلْجَمِيعِ ، غَيْرِ الْجُرْجَانِيِّ فَقَالَ الْعَشِيِّ ، وَفِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ صَلَاتَيِ الْعِشِيِّ بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ لَهُمْ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ : صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ وَكَذَا لِزَائِدَةَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ وَهُوَ الْأَرْجَحُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ التَّثْنِيَةُ ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَقَعَ التَّثْنِيَةُ فِي الْمَمْدُودِ وَيُرَادُ بِهِمَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْأُخْرَيَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ إِنَّمَا لَهَا أُخْرَى وَاحِدَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَبْدَى الْكِرْمَانِيُّ لِتَخْصِيصِ الْعِشَاءِ بِالذِّكْرِ حِكْمَةً ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا أَتْقَنَ فِعْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي وَقْتُهَا وَقْتُ الِاسْتِرَاحَةِ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَهُوَ حَسَنٌ ، وَيُقَالُ مِثَلُهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؛ لِأَنَّهُمَا وَقْتُ الِاشْتِغَالِ بِالْقَائِلَةِ وَالْمَعَاشِ . وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّ شَكْوَاهُمْ كَانَتْ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ خَاصَّةً فَلِذَلِكَ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ . قَوْلُهُ : ( فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ ) قَالَ الْقَزَّازُ : أَرْكُدُ أَيْ : أُقِيمُ طَوِيلًا ، أَيْ : أُطَوِّلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ .
قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؛ لَكِنَّ الْمَعْهُودَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ وَالْأُولَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ الْأُولَى وَكَذَا الْأُخْرَيَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَأُخِفُّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَأَحْذِفُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْمِيمِ بَدَلَ الْفَاءِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَذْفِ حَذْفُ التَّطْوِيلِ لَا حَذْفُ أَصْلِ الْقِرَاءَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَحْذِفُ الرُّكُودَ . قَوْلُهُ : ( ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي تَقُولُ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَظُنُّهُ ، زَادَ مِسْعَرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَابْنِ عَوْنٍ مَعًا : فَقَالَ سَعْدٌ أَتُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ الصَّلَاةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ شَكَوْهُ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَكَأَنَّهُمْ ظَنُّوا مَشْرُوعِيَّةَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ فَأَنْكَرُوا عَلَى سَعْدٍ التَّفْرِقَةَ ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ ذَمُّ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَجْهُ دُخُولِ حَدِيثِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ : أَرْكُدُ وَأُخِفُّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَقَدْ قَالَ : إِنَّهَا مِثْلُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَاخْتَصَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : رُكُودُ الْإِمَامِ يَدُلُّ عَلَى قِرَاءَتِهِ عَادَةً .
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَلِهَذَا أَتْبَعَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ حَدِيثَ سَعْدٍ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ كَالْمُفَسِّرِ لَهُ . قُلْتُ : وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هُنَا ذِكْرُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ . نَعَمْ هُوَ مَذْكُورٌ مِنْ حَدِيثِهِ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الدَّلَالَةُ عَلَى الْوُجُوبِ إِذَا ضَمَّ إِلَى مَا ذَكَرَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، فَيَحْصُلُ التَّطَابُقُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ : الْقِرَاءَةُ لِلْإِمَامِ وَمَا ذَكَرَ مِنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ ، وَأَمَّا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ وَقِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ فَمِنْ غَيْرِ حَدِيثِ سَعْدٍ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْبَابِ ، وَقَدْ يُؤْخَذُ السَّفَرُ وَالْحَضَرُ مِنْ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْإِمَامِ فَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي الْبَابِ ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ ، وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ : وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرُهُ حَيْثُ قَالَ : لَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَخْفِيفُهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَنِ الْأُولَيَيْنِ .
قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا ) كَذَا لَهُمْ بِالشَّكِّ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : فَبَعَثَ عُمَرُ رَجُلَيْنِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعَادَهُ إِلَى الْكُوفَةِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْكَشْفُ عَنْهُ بِحَضْرَتِهِ لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنَ التُّهْمَةِ ، لَكِنَّ كَلَامَ سَيْفٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَمَا عَادَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِنَ الْكُوفَةِ . وَذَكَرَ سَيْفٌ وَالطَّبَرِيُّ أَنَّ رَسُولَ عُمَرَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقْتَصُّ آثَارَ مَنْ شُكِيَ مِنَ الْعُمَّالِ فِي زَمَنِ عُمَرَ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ فِي ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَمَ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَقَدْ عُرِفَ الرَّجُلَانِ .
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَلِيحِ بْنِ عَوْفٍ السُّلَمِيِّ قَالَ : بَعَثَ عُمَرُ ، مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةٍ وَأَمَرَنِي بِالْمَسِيرِ مَعَهُ وَكُنْتُ دَلِيلًا بِالْبِلَادِ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا : وَأَقَامَ سَعْدًا فِي مَسَاجِدِ الْكُوفَةِ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَرِيرٍ : فَطِيفَ بِهِ فِي مَسَاجِدِ الْكُوفَةِ . قَوْلُهُ : ( وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ مَعْرُوفًا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : فَكُلُّهُمْ يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا . قَوْلُهُ : ( لِبَنِي عَبْسٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ قَيْسٍ .
قَوْلُهُ : ( أَبَا سَعْدَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ، زَادَ سَيْفٌ فِي رِوَايَتِهِ : فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أُنْشِدُ اللَّهَ رَجُلًا يَعْلَمُ حَقًّا إِلَّا قَالَ . قَوْلُهُ : ( أَمَّا ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، وَقَسِيمُهَا مَحْذُوفٌ أَيْضًا ، قَوْلُهُ نَشَدْتَنَا أَيْ : طَلَبْتَ مِنَّا الْقَوْلَ . قَوْلُهُ : ( لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ ) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَالسَّرِيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ أَيْ : لَا يَسِيرُ بِالطَّرِيقَةِ السَّرِيَّةِ أَيِ : الْعَادِلَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : وَلَا يَعْدِلُ .
وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّكْرَارِ ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ جَرِيرٍ ، وَسُفْيَانُ بِلَفْظٍ : وَلَا يَنْفِرُ فِي السَّرِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( فِي الْقَضِيَّةِ ) أَيِ : الْحُكُومَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، وَسَيْفٍ : فِي الرَّعِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ سَعْدٌ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ : فَغَضِبَ سَعْدٌ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ قَالَ : أَعَلَيَّ تَسْجَعُ . قَوْلُهُ : ( أَمَا وَاللَّهِ ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ .
قَوْلُهُ : ( لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ ) أَيْ : عَلَيْكَ ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الْفَضَائِلَ الثَّلَاثَ وَهِيَ الشَّجَاعَةُ حَيْثُ قَالَ لَا يَنْفِرُ وَالْعِفَّةُ حَيْثُ قَالَ لَا يَقْسِمُ وَالْحِكْمَةُ حَيْثُ قَالَ لَا يَعْدِلُ ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالدِّينِ ، فَقَابَلَهَا بِمِثْلِهَا : فَطُولُ الْعُمْرِ يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ ، وَطُولُ الْفَقْرِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ ، وَالْوُقُوعُ فِي الْفِتَنِ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ، وَلَمَّا كَانَ فِي الثِّنْتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مَا يُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنْهُ دُونَ الثَّالِثَةِ قَابَلَهُمَا بِأَمْرَيْنِ دُنْيَوِيَّيْنِ وَالثَّالِثَةَ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا يَنْفِرُ بِالسَّرِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَكِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِقَامَتِهِ لِيُرَتِّبَ مَصَالِحَ مَنْ يَغْزُو وَمَنْ يُقِيمُ ، أَوْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ كَمَا وَقَعَ وَهُوَ فِي الْقَادِسِيَّةِ وَقَوْلُهُ : لَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا فَإِنَّ لِلْإِمَامِ تَفْضِيلَ أَهْلِ الْغَنَاءِ فِي الْحَرْبِ وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ ، وَقَوْلُهُ : لَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ هُوَ أَشَدُّهَا ؛ لِأَنَّهُ سَلَبَ عَنْهُ الْعَدْلَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ قَدْحٌ فِي الدِّينِ ، وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنَّ سَعْدًا مَعَ كَوْنِ هَذَا الرَّجُلِ وَاجَهَهُ بِهَذَا وَأَغْضَبَهُ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِ فِي حَالِ غَضَبِهِ رَاعَى الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ ، إِذْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا وَأَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْغَرَضُ الدُّنْيَوِيُّ . قَوْلُهُ : ( رِيَاءً وَسُمْعَةً ) أَيْ : لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوهُ فَيُشْهِرُوا ذَلِكَ عَنْهُ فَيَكُونَ لَهُ بِذَلِكَ ذِكْرٌ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَأَطِلْ فَقْرَهُ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَشَدِّدْ فَقْرَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ سَيْفٍ وَأَكْثِرْ عِيَالَهُ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ مُنَاسَبَةٌ لِلْحَالِ ، أَمَّا طُولُ عُمْرِهِ فَلِيَرَاهُ مَنْ سَمِعَ بِأَمْرِهِ فَيَعْلَمَ كَرَامَةَ سَعْدٍ ، وَأَمَّا طُولُ فَقْرِهِ فَلِنَقِيضِ مَطْلُوبِهِ ؛ لِأَنَّ حَالَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ طَلَبَ أَمْرًا دُنْيَوِيًّا ، وَأَمَّا تَعَرُّضُهُ لِلْفِتَنِ فَلِكَوْنِهِ قَامَ فِيهَا وَرَضِيَهَا دُونَ أَهْلِ بَلَدِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَكَانَ بَعْدُ ) أَيْ : أَبُو سَعْدَةَ ، وَقَائِلُ ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ بَيَّنَهُ جَرِيرٌ فِي رِوَايَتِهِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا سُئِلَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : إِذْ قِيلَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ . قَوْلُهُ : ( شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ ) قِيلَ : لَمْ يَذْكُرِ الدَّعْوَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ الْفَقْرُ لَكِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ : أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ .
قُلْتُ : قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ وَلَفْظُهُ : قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَتَعَرَّضُ لِلْإِمَاءِ فِي السِّكَكِ ، فَإِذَا سَأَلُوهُ قَالَ : كَبِيرٌ فَقِيرٌ مَفْتُونٌ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَرِيرٍ : فَافْتَقَرَ وَافْتُتِنَ ، وَفِي رِوَايَةِ سَيْفٍ : فَعَمِيَ وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ عَشْرُ بَنَاتٍ ، وَكَانَ إِذَا سَمِعَ بِحِسِّ الْمَرْأَةِ تَشَبَّثَ بِهَا ، فَإِذَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ قَالَ : دَعْوَةُ الْمُبَارَكِ سَعْدٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : وَلَا تَكُونُ فِتْنَةٌ إِلَّا وَهُوَ فِيهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوُ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : وَأَدْرَكَ فِتْنَةَ الْمُخْتَارِ فَقُتِلَ فِيهَا ، رَوَاهُ الْمُخَلِّصُ فِي فَوَائِدِهِ . وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ عَسَاكِرَ ، وَفِي رِوَايَةِ سَيْفٍ أَنَّهُ عَاشَ إِلَى فِتْنَةِ الْجَمَاجِمِ وَكَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ ، وَكَانَتْ فِتْنَةُ الْمُخْتَارِ حِينَ غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ . قَوْلُهُ : ( دَعْوَةُ سَعْدٍ ) أَفْرَدَهَا لِإِرَادَةِ الْجِنْسِ وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ ، وَكَانَ سَعْدٌ مَعْرُوفًا بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ ، رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قِيلَ لِسَعْدٍ مَتَى أَصَبْتَ الدَّعْوَةَ ؟ قَالَ : يَوْمَ بَدْرٍ ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ عَزْلِ الْإِمَامِ بَعْضَ عُمَّالِهِ إِذَا شُكِيَ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ ، قَالَ مَالِكٌ : قَدْ عَزَلَ عُمَرُ ، سَعْدًا وَهُوَ أَعْدَلُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ عَزَلَهُ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفِتْنَةِ ، فَفِي رِوَايَةِ سَيْفٍ : قَالَ عُمَرُ : لَوْلَا الِاحْتِيَاطُ وَأَنْ لَا يُتَّقَى مِنْ أَمِيرٍ مِثْلِ سَعْدٍ لَمَا عَزَلْتُهُ . وَقِيلَ عَزَلَهُ إِيثَارًا لِقُرْبِهِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى ، وَقِيلَ : لِأَنَّ مَذْهَبَ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ بِالْعَامِلِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : اخْتَلَفُوا هَلْ يُعْزَلُ الْقَاضِي بِشَكْوَى الْوَاحِدِ أَوِ الِاثْنَيْنِ أَوْ لَا يُعْزَلُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْأَكْثَرُ عَلَى الشَّكْوَى مِنْهُ ؟ وَفِيهِ اسْتِفْسَارُ الْعَامِلِ عَمَّا قِيلَ فِيهِ ، وَالسُّؤَالُ عَمَّنْ شُكِيَ فِي مَوْضِعِ عَمَلِهِ ، وَالِاقْتِصَارُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْفَضْلُ .
وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ وَنَحْوِهِ يَكُونُ مِمَّنْ يُجَاوِرُهُ ، وَأَنَّ تَعْرِيضَ الْعَدْلِ لِلْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ لَا يُنَافِي قَبُولَ شَهَادَتِهِ فِي الْحَالِ . وَفِيهِ خِطَابُ الرَّجُلِ الْجَلِيلِ بِكُنْيَتِهِ ، وَالِاعْتِذَارُ لِمَنْ سُمِعَ فِي حَقِّهِ كَلَامٌ يَسُوءُهُ . وَفِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الِافْتِرَاءِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ السَّبُّ ، وَالِافْتِرَاءُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ ، فَيُعَزَّرُ قَائِلُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ لَمْ يَطْلُبْ حَقَّهُ مِنْهُمْ أَوْ عَفَا عَنْهُمْ وَاكْتَفَى بِالدُّعَاءِ عَلَى الَّذِي كَشَفَ قِنَاعَهُ فِي الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ صَارَ كَالْمُنْفَرِدِ بِأَذِيَّتِهِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ : مَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ فَقَدِ انْتَصَرَ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِ بِأَنْ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، فَانْتَصَرَ لِنَفْسِهِ وَرَاعَى حَالَ مَنْ ظَلَمَهُ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ وُفُورِ الدِّيَانَةِ . وَيُقَالُ إِنَّهُ إِنَّمَا دَعَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ ، وَكَأَنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ .
وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ الْمُعَيَّنِ بِمَا يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ فِي دِينِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ طَلَبِ وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ ، وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نِكَايَةِ الظَّالِمِ وَعُقُوبَتِهِ . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَشْرُوعِيَّةُ طَلَبِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَلْزِمُ ظُهُورَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ الْآيَةَ . وَفِيهِ سُلُوكُ الْوَرَعِ فِي الدُّعَاءِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الطُّولِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ) ، فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ وَلِابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ بِالْإِسْنَادِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : سَمِعْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ ، وَبِهَذَا التَّصْرِيحِ بِالْإِخْبَارِ يَنْدَفِعُ تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ لِكَوْنِ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَدْخَلَ بَيْنَ مَحْمُودٍ ، وَعُبَادَةَ رَجُلًا وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ .