بَاب الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُرْوَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ أَخْبَرَهُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ ) كَانَ مَرْوَانُ حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( بِقِصَارٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الصَّغَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِقِصَارِ السُّوَرِ وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأُسُودِ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ : أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ ، أَتَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾وَ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ ، وَصَرَّحَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالْإِخْبَارِ بَيْنَ عُرْوَةَ ، وَزَيْدٍ ، فَكَأَنَّ عُرْوَةَ سَمِعَهُ مِنْ مَرْوَانَ ، عَنْ زَيْدٍ ثُمَّ لَقِيَ زَيْدًا فَأَخْبَرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ سَمِعْتُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادِرًا ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَقَالَ كَانَ يَفْعَلُ ، يُشْعِرُ بِأَنَّ عَادَتَهُ كَانَتْ كَذَلِكَ .
انْتَهَى . وَغَفَلَ عَمَّا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ : لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ . قَوْلُهُ : ( بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ ) أَيْ : بِأَطْوَلِ السُّورَتَيْنِ الطَّوِيلَتَيْنِ وَطُولَى تَأْنِيثُ أَطْوَلَ ، وَالطُّولَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ طُولَى ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِطُولِ بِضَمِّ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، وَوَجَّهَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ وَأَرَادَ الْوَصْفَ أَيْ : كَانَ يَقْرَأُ بِمِقْدَارِ طُولِ الطُّولَيَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ بِقَدْرِ السُّورَتَيْنِ ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ . قَالَ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الطِّوَلَ الْحَبْلُ وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا .
انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ بِالتَّذْكِيرِ ، وَلَمْ يَقَعْ تَفْسِيرُهُمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورَةِ : بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ المص وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : قَالَ : قُلْتُ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ ؟ قَالَ : الْأَعْرَافُ ، وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ وَلَفْظُهُ : قَالَ : قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَهِيَ كُنْيَةُ عُرْوَةَ .
وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : قَالَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ . وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ - يَعْنِي ابْنَ جُرَيْجٍ - وَسَأَلْتُ أَنَا ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ لِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ الْمَائِدَةُ وَالْأَعْرَافُ كَذَا رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ الْأَنْعَامَ بَدَلَ الْمَائِدَةِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَالصَّغَانِيُّ الْمَذْكُورَتَيْنِ ، وَعِنْدَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بَدَلَ الْأَنْعَامِ يُونُسَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَفْسِيرِ الطُّولَى بِالْأَعْرَافِ ، وَفِي تَفْسِيرِ الْأُخْرَى ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، الْمَحْفُوظُ مِنْهَا الْأَنْعَامُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْبَقَرَةُ أَطْوَلُ السَّبْعِ الطِّوَالِ فَلَوْ أَرَادَهَا لَقَالَ طُولَى الطِّوَالِ ، فَلَمَّا لَمْ يُرِدْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْأَعْرَافَ ؛ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ السُّوَرِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّسَاءَ أَطْوَلُ مِنَ الْأَعْرَافِ ، وَلَيْسَ هَذَا التَّعْقِيبُ بِمَرْضِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ عَدَدَ الْآيَاتِ ، وَعَدَدُ آيَاتِ الْأَعْرَافِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ آيَاتِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ السَّبْعِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ ، وَالْمُتَعَقِّبُ اعْتَبَرَ عَدَدَ الْكَلِمَاتِ ؛ لِأَنَّ كَلِمَاتِ النِّسَاءِ تَزِيدُ عَلَى كَلِمَاتِ الْأَعْرَافِ بِمِائَتَيْ كَلِمَةٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : تَسْمِيَةُ الْأَعْرَافِ وَالْأَنْعَامِ بِالطُّولَيَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِعُرْفٍ فِيهِمَا لَا أَنَّهُمَا أَطْوَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِغَيْرِ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .