بَاب جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ
بَاب جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ وَقَالَ عَطَاءٌ : آمِينَ دُعَاءٌ . أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الْإِمَامَ : لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ وَيَحُضُّهُمْ ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا 780 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : آمِينَ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ ) أَيْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْجَهْرِ ، وَالتَّأْمِينُ مَصْدَرُ أَمَّنَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَالَ آمِينَ وَهِيَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَعَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ ، وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ ، عَنْ حَمْزَةَ ، وَالْكِسَائِيِّ الْإِمَالَةَ ، وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ أُخْرَى شَاذَّةٌ : الْقَصْرُ حَكَاهُ ثَعْلَبٌ وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ وَطَعَنَ فِي الشَّاهِدِ بِأَنَّهُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ إِنَّمَا أَجَازَهُ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً ، وَالتَّشْدِيدُ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ ، وَخَطَّأَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَآمِينَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ مِثْلَ صَهٍ لِلسُّكُوتِ ، وَتُفْتَحُ فِي الْوَصْلِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ كَيْفَ ، وَإِنَّمَا لَمْ تُكْسَرْ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْيَاءِ وَمَعْنَاهَا اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ آمِنَّا بِخَيْرٍ ، وَقِيلَ كَذَلِكَ يَكُونُ ، وَقِيلَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ تَجِبُ لِقَائِلِهَا ، وَقِيلَ لِمَنِ اسْتُجِيبَ لَهُ كَمَا اسْتُجِيبَ لِلْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ التَّابِعِيِّ مِثْلُهُ ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، وَقَالَ مَنْ مَدَّ وَشَدَّدَ : مَعْنَاهَا قَاصِدِينَ إِلَيْكَ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ؛ وَقَالَ مَنْ قَصَرَ وَشَدَّدَ : هِيَ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ الصَّحَابِيِّ أَنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ بِآمِينَ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ أَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ عَلَى أَثَرِ أُمِّ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَيُؤَمِّنُ مَنْ وَرَاءَهُ ؛ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا آمِينَ دُعَاءٌ . قَالَ : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ قَامَ الْإِمَامُ فَيُنَادِيهِ فَيَقُولُ : لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ . وَقَوْلُهُ حَتَّى إِنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِلْمَسْجِدِ أَيْ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ لَلَجَّةً اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَاللَّجَّةُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الصَّوْتُ الْمُرْتَفِعُ ، وَرَوَى لَلَجَبَةً بِمُوَحَّدَةٍ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ ، وَهِيَ الْأَصْوَاتُ الْمُخْتَلِطَةُ .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ لَرَجَّةً بِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( لَا تَفُتْنِي ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ ، وَإِنَّمَا فِيهَا بِالْمُثَنَّاةِ مِنَ الْفَوَاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنَ السَّبْقِ ، وَمُرَادُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَ الْإِمَامِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ وَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا تُنَازِعْنِي بِالتَّأْمِينِ الَّذِي هُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمَأْمُومِ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجْهٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوَانَ ، فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِالضَّالِّينَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّفِّ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَشْتَغِلُ بِالْإِقَامَةِ وَتَعْدِيلِ الصُّفُوفِ ، وَكَانَ مَرْوَانُ يُبَادِرُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ مَرْوَانَ : فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِبنَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مُؤَذِّنًا بِالْبَحْرَيْنِ وَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِآمِينَ ، وَالْإِمَامُ بِالْبَحْرَيْنِ كَانَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ بِلَالٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَسْتَبِقْنِي بِآمِينَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
لَكِنْ قِيلَ إِنَّ أَبَا عُثْمَانَ لَمْ يَلْقَ بِلَالًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ بِلَالًا قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِرْسَالِ ، وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَوْصُولِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُضَعِّفُ التَّأْوِيلَ السَّابِقَ لِأَنَّ بِلَالًا لَا يَقَعُ مِنْهُ مَا حَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الْإِقَامَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَسَبَبُهَا مُحْتَمَلٌ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ قَوْلِ عَطَاءٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الدَّاعِي ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْمَانِعِ إِنَّهَا جَوَابٌ لِلدُّعَاءِ فَيَخْتَصُّ بِالْمَأْمُومِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّأْمِينَ قَائِمٌ مَقَامَ التَّلْخِيصِ بَعْدَ الْبَسْطِ ، فَالدَّاعِي فَصَّلَ الْمَقَاصِدَ بِقَوْلِهِ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾إِلَى آخِرِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ أَتَى بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ فَإِنْ قَالَهَا الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ دَعَا مَرَّتَيْنِ مُفَصِّلًا ثُمَّ مُجْمِلًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ نَافِعٌ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا خَتَمَ أُمَّ الْقُرْآنِ قَالَ آمِينَ لَا يَدَعُ أَنْ يُؤَمِّنَ إِذَا خَتَمَهَا وَيَحُضُّهُمْ عَلَى قَوْلِهَا ، قَالَ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا . وَقَوْلُهُ : ( وَيَحُضُّهُمْ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَوْلُهُ : ( خَيْرًا ) بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ فَضْلًا وَثَوَابًا وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ خَبَرًا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ حَدِيثًا مَرْفُوعًا ، وَيُشْعِرُ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَمَّنَ النَّاسُ أَمَّنَ مَعَهُمْ وَيَرَى ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ .
وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلُ الْأَوَّلِ ، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ إِذَا خَتَمَ الْفَاتِحَةَ ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ مَالِكٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ يَسِيرَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ .
قَوْلُهُ : ( إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا دَعَا ، وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الْفَاتِحَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ( اهْدِنَا ) إِلَى آخِرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ اسْتَدْعَى التَّأْمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلا الضَّالِّينَ وَيَرِدُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ ، قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِهَا قَضِيَّةً شَرْطِيَّةً ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ : لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا . وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ إِمَامٌ لَا يَضُرُّهُ التَّفَرُّدُ ، مَعَ مَا سَيُذْكَرُ قَرِيبًا أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوْنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : كَمَا اشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَقَالَ : مَعْنَاهُ دَعَا ، قَالَ وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ يُسَمَّى دَاعِيًا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَتُعُقِّبَ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ صَحَّ فَإِطْلَاقُ كَوْنِ هَارُونَ دَاعِيًا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّغْلِيبِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا بَلَغَ نَجْدًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا مَجَازٌ ، فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . قُلْتُ : اسْتَدَلُّوا لَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ : إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ قَالُوا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ عَلَى الْمَجَازِ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ - عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ - بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ أَيْ أَرَادَ التَّأْمِينَ لِيَتَوَافَقَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا الْإِمَامُ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا وَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهِمْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالسَّرَّاجُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الْإِمَامِ يُؤَمِّنُ .
وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ الْإِمَامُ آمِينَ ، وَقِيلَ يُؤْخَذُ مِنَ الْخَبَرَيْنِ تَخْيِيرُ الْمَأْمُومِ فِي قَوْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَنْ قَرُبَ مِنَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي لِمَنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ ، لِأَنَّ جَهْرَ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ أَخْفَضُ مِنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ ، فَقَدْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ تَأْمِينَهُ ، فَمَنْ سَمِعَ تَأْمِينَهُ أَمَّنَ مَعَهُ ، وَإِلَّا يُؤَمِّنْ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَأْمِينِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِدُونِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ آمِينَ كَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدِ اعْتُضِدَ بِصَنِيعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ ، وَإِذَا تَرَجَّحَ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ فَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : يُسِرُّ بِهِ مُطْلَقًا . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّأْمِينُ مَسْمُوعًا لِلْمَأْمُومِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقَدْ عُلِّقَ تَأْمِينُهُ بِتَأْمِينِهِ ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْرَ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخِلَّ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْمَأْمُومِ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ وَلِلْحُمَيْدِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ : إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ : حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوْمَأَ إِلَى النَّسْخِ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَإِنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ .
قَوْلُهُ : ( فَأَمِّنُوا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَأْخِيرِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَارَنَةُ وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ : لَا تُسْتَحَبُّ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ غَيْرَهُ ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّأْمِينَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِتَأْمِينِهِ ، فَلِذَلِكَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهُوَ وَاضِحٌ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلنَّدْبِ ، وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وُجُوبَهُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، قَالَ : وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ ثُمَّ فِي مُطْلَقِ أَمْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ الْمُوَالَاةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَصَحُّهُمَا لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ ) زَادَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ قَبْلَ قَوْلِهِ فَمَنْ وَافَقَ وَكَذَا لِابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَافَقَةُ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ ، وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ ، أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ ، أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً ، أَوِ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدَهُمْ ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُتَيَقِّظًا . ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بالْمَلَائِكَة جَمِيعُهُمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ .
وَقِيلَ : الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ ، وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ . وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ بَعْدَ بَابٍ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِيَةِ أَيْضًا فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَنَحْوِهَا لِسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ ، فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ انْتَهَى .
وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ كَوُضُوئِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . ( فَائِدَةٌ ) : وَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ ، عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنِ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا ، وَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا ، وَكَذَلِكَ حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، الْحُمَيْدِيِّ ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا .
وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَالْوَلِيدِ ابْنَيْ سَاجٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ) هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ . ثُمَّ هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اعْتِضَادِهِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّأْمِينَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ قُرْآنٍ وَلَا ذِكْرٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ مَا نُقِلَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّ مَعْنَى آمِينَ أَيْ قَاصِدِينَ إِلَيْكَ ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ هَكَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْإِمَامِ لِأَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ يُوَافِقُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ ، وَلِهَذَا شُرِعَتْ لِلْمَأْمُومِ مُوَافَقَتُهُ . وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إِنَّمَا يُؤَمِّنُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ لَا إِذَا تَرَكَ ، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ الْخِلَافَ .
وَادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَمِّنُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ ، وَعَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ فِيمَا جَهَرَ بِهِ إِمَامُهُ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَنَّ التَّأْمِينَ مُخْتَصٌّ بِالْفَاتِحَةِ فَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ كَانَت أَمْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ حَالَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا لَا أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا أَصْلًا .