حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ

حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسا : مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الثُّومِ ؟ فَقَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا ، أَوْ ، لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ . قَوْلُهُ : ( سَأَلَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى إِطْلَاقِ الشَّجَرَةِ عَلَى الثُّومِ ، وَقَوْلُهُ : فَلَا يَقْرَبَنَّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالْمَسْجِدِ فَيُسْتَدَلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى إِلْحَاقِ الْمَجَامِعِ بِالْمَسَاجِدِ كَمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَمَكَانِ الْوَلِيمَةِ ، وَقَدْ أَلْحَقَهَا بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ ، وَالتَّمَسُّكِ بِهَذَا الْعُمُومِ أَوْلَى ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ : وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، لَكِنْ قَدْ عُلِّلَ الْمَنْعُ فِي الْحَدِيثِ بِتَرْكِ أَذَى الْمَلَائِكَةِ وَتَرْكِ أَذَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ اخْتَصَّ النَّهْيُ بِالْمَسَاجِدِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ، وَإِلَّا لَعَمَّ النَّهْيُ كُلَّ مَجْمَعٍ كَالْأَسْوَاقِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْبَحْثَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ شَيْئًا فَلَا يَقْرَبْنَا فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ذِكْرُ الصِّفَةِ فِي الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهَا ، وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ عَلَى الْمَازِرِيِّ حَيْثُ قَالَ : لَوْ أَنَّ جَمَاعَةَ مَسْجِدٍ أَكَلُوا كُلُّهمْ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكَلَ بَعْضُهُمْ ، لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِمْ بَلْ بِهِمْ وَبِالْمَلَائِكَةِ ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ الْمَنْعُ مَنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ .

وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَتْ فَرْضَ عَيْنٍ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِأَنَّ اللَّازِمَ مِنْ مَنْعِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُبَاحًا فَتَكُونُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ لَيْسَتْ فَرْضَ عَيْنٍ ، أَوْ حَرَامًا فَتَكُونُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فَرْضًا . وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِهَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْجَمَاعَةُ فَرْضَ عَيْنٍ .

وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ : أَكْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ جَائِزٌ ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ تَرْكُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ آكِلِهَا جَائِزٌ ، وَلَازِمُ الْجَائِزِ جَائِزٌ وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوبَ . وَنُقِلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَوْ بَعْضِهِمْ تَحْرِيمُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ أَكْلِهَا ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، فَتَرْكُ أَكْلِ هَذَا وَاجِبٌ فَيَكُونُ حَرَامًا اهـ . وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْهُمْ بِأَنَّ أَكْلَهَا حَلَالٌ مَعَ قَوْلِهِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَانْفَصَلَ عَنِ اللُّزُومِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ أَكْلِهَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ عَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْلَ زَوَالِ الرَّائِحَةِ .

وَنَظِيرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ بِشُرُوطِهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ تَسْقُطُ بِالسَّفَرِ . وَهُوَ فِي أَصْلِهِ مُبَاحٌ ، لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَنْشَأَهُ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا : قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَكْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنَ الْأَعْذَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ عَنْهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ إِلَى أَكْلِهَا ضَرُورَةٌ .

قَالَ : وَيَبْعُدُ هَذَا مِنْ وَجْهِ تَقْرِيبِهِ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفِي الزَّجْرَ اهـ . وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَالَتَيْنِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الزَّجْرَ وَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ إِتْيَانَ الْمَسْجِدِ ، وَالْإِذْنُ فِي التَّقْرِيبِ وَقَعَ فِي حَالَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَلِكَ ، بَلْ لَمْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ إِذْ ذَاكَ بُنِيَ ، فَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ الزَّجْرَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ قِصَّةِ التَّقْرِيبِ بِسِتِّ سِنِينَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْلَ الثُّومِ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ لِآكِلِهِ عَلَى فِعْلِهِ إِذْ حُرِمَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ اهـ .

وَكَأَنَّهُ يَخُصُّ الرُّخْصَةَ بِمَا لَا سَبَبَ لِلْمَرْءِ فِيهِ كَالْمَطَرِ مَثَلًا ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكْلُهَا حَرَامًا ، وَلَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ . وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبُ بِقَوْلِهِ : فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ عَلَى بَعْضِ تَفْضِيلُ الْجِنْسِ عَلَى الْجِنْسِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ أَكْلُ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا ؟ وَالرَّاجِحُ الْحِلُّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ .

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الْفُجْلُ إِنْ كَانَ يَظْهَرُ رِيحُهُ فَهُوَ كَالثُّومِ . وَقَيَّدَهُ عِيَاضٌ بِالْجُشَاءِ . قُلْتُ : وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ التَّنْصِيصُ عَلَى ذِكْرِ الْفُجْلِ فِي الْحَدِيثِ ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ .

وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مَنْ بِفِيهِ بَخْرٌ أَوْ بِهِ جُرْحٌ لَهُ رَائِحَةٌ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَأَلْحَقَ أَصْحَابَ الصَّنَائِعِ كَالسَّمَّاكِ ، وَالْعَاهَاتِ كَالْمَجْذُومِ ، وَمَنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ ، وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَوَسُّعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ . ( فَائِدَةٌ ) : حُكْمُ رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا حُكْمُهُ ، وَلِذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَجَدَ رِيَحهَا فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ إِلَى الْبَقِيعِ كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

( تَنْبَيهٌ ) : وَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ، ثَلَاثًا . وَبَوَّبَ عَلَيْهِ : تَوْقِيتَ النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ الْجَمَاعَةِ لِآكِلِ الثُّومِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ثَلَاثًا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ ، أَيْ : قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ وُجُودُ الرَّائِحَةِ وَهِيَ لَا تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الْمُدَّةَ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث