بَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ قَائِمٌ
بَاب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا . رَاجِلٌ : قَائِمٌ 943- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا . وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا .
قَوْلُهُ : ( بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا ) قِيلَ : مَقْصُودُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ النُّزُولِ عَنِ الدَّابَّةِ وَلَا تُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِهَا ، بَلْ تُصَلَّى عَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَتِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْآيَةِ . قَوْلُهُ : ( رَاجِلٌ : قَائِمٌ ) يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ رِجَالًا جَمْعُ رَاجِلٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْقَائِمُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَاشِي أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَادُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ بِقولِهِ تَعَالَى : يَأْتُوكَ رِجَالا أَيْ مُشَاةً ، وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا إِذَا وَقَعَ الْخَوْفُ فَلْيُصَلِّ الرَّجُلُ عَلَى كُلِّ جِهَةٍ قَائِمًا أَوْ رَاكِبًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا ، وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَحَالَ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ ، فَأَشْكَلَ الْأَمْرُ فِيهِ فَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ نَافِعًا رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِمَّا رَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، الْمَرْوِيُّ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ مَا إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا ، وَزِيَادَةُ نَافِعٍ عَلَى مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ قَالَ : وَمَفْهُومُ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، وَأَنَّ قَوْلَهُمَا مَثَلًا فِي الصُّورَتَيْنِ ، أَيْ فِي الِاخْتِلَاطِ وَفِي الْأَكْثَرِيَّةِ ، وَأَنَّ الَّذِي زَادَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ لَا نَافِعٌ اهـ .
وَمَا نَسَبَهُ لِابْنِ بَطَّالٍ بَيِّنٌ فِي كَلَامِهِ إِلَّا الْمِثْلِيَّةَ فِي الْأَكْثَرِيَّةِ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِابْنِ عُمَرَ وَكَلَامُ ابْنِ بَطَّالٍ هُوَ الصَّوَابُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَهُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ : مَرْفُوعٌ وَمَوْقُوفٌ ، فَالْمَرْفُوعُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ يُرْوَى كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَالْمَوْقُوفُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَمْ أَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لِلْكِرْمَانِيِّ أَنَّ مُجَاهِدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ إِذَا اخْتَلَطُوا يَعْنِي فِي الْقِتَالِ فَإِنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَإِشَارَةُ الرَّأْسِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيُصَلُّونَ قِيَامًا وَرُكْبَانًا هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ خَلَفٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ مِثْلَ مَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ سَوَاءً ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ اخْتَلَطُوا : فَإِنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَإِشَارَةُ الرَّأْسِ اهـ . وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْبُخَارِيِّ قِيَامًا الْأُولَى تَصْحِيفٌ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا وَقَدْ سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بَيْنَ لَفْظِ مُجَاهِدٍ وَبَيَّنَ فِيهَا الْوَاسِطَةَ بَيْنَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَبَيْنَهُ ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِذَا اخْتَلَطُوا فَإِنَّمَا هُوَ الْإِشَارَةُ بِالرَّأْسِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا فَإِنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَإِشَارَةُ الرَّأْسِ وَزَادَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَثُرُوا فَلْيُصَلُّوا رُكْبَانًا أَوْ قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا سَبَبُ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ نَحْوَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لِأَنَّ بَيْنَ لَفْظِهِ وَبَيْنَ لَفْظِ ابْنِ عُمَرَ مُغَايَرَةً ، وَتَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا قَالَهُ بِرَأْيِهِ لَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ نَحْوَ سِيَاقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا يُومِئُ إِيمَاءً وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَوْقُوفًا لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ وَأَخْبَرَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُخْبِرُ بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاقْتَضَى ذَلِكَ رَفْعَهُ كُلَّهُ . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ نَافِعٌ : لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَادَ فِي آخِرِهِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كُلَّهُ بِغَيْرِ شَكٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ : أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ فَذَكَرَ نَحْوَ سِيَاقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ فَرِجَالًا وَرُكْبَانًا وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَالرَّاجِحُ رَفْعُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ إِنْ كَانَ الْعَدُوَّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَوْفَ إِذَا اشْتَدَّ وَالْعَدُوَّ إِذَا كَثُرَ فَخِيفَ مِنَ الِانْقِسَامِ لِذَلِكَ جَازَتِ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَجَازَ تَرْكُ مُرَاعَاةِ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْكَانِ ، فَيَنْتَقِلُ عَنِ الْقِيَامِ إِلَى الرُّكُوعِ ، وَعَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى الْإِيمَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَلَكِنْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ : لَا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ حَتَّى يُخْشَى فَوَاتُ الْوَقْتِ ، وَسَيَأْتِي مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : ابْنُ جُرَيْجٍ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ أَدْخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَافِعٍ ، مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ ، فَفِي هَذَا التَّقْوِيَةُ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي نَافِعٍ ، وَلِابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ .