بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ وَالْحَرَمِ
بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ وَالْحَرَمِ وَقَالَ الْحَسَنُ : نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ إِلَّا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا 966 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا - وَذَلِكَ بِمِنًى - فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ : لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَنْتَ أَصَبْتَنِي . قَالَ : وَكَيْفَ ؟ قَالَ : حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ ، وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الْحَرَمَ ، وَلَمْ يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ وَالْحَرَمِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ التَّرْجَمَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ ، وَهِيَ : بَابُ الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا ، وَهَذِهِ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُ السِّلَاحِ .
وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْحَالَةِ الْأُولَى عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بِالدُّرْبَةِ وَعُهِدَتْ مِنْهُ السَّلَامَةُ مِنْ إِيذَاءِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِهَا ، وَحَمْلِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بَطَرًا وَأَشَرًا أَوْ لَمْ يَتَحَفَّظْ حَالَ حَمْلِهَا وَتَجْرِيدِهَا مِنْ إِصَابَتِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ وَفِي الْمَسَالِكِ الضَّيِّقَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ ) أَيِ الْبَصْرِيُّ ( نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ إِلَّا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا ) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَوْصُولًا ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ ، وَفِيهِ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مُقَيَّدًا وَغَيْرَ مُقَيَّدٍ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخْرَجَ بِالسِّلَاحِ يَوْمَ الْعِيدِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُلْبَسَ السِّلَاحُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي الْعِيدَيْنِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعِيدِ ، وَأَمَّا فِي الْحَرَمِ فَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( أَبُو السُّكَيْنِ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ مُصَغَّرًا ، وَالْمُحَارِبِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَبِالْقَافِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مِنْ أَجِلَّاءِ النَّاسِ .
قَوْلُهُ : ( أَخْمَصِ قَدَمِهِ ) الْأَخْمَصُ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ : بَاطِنُ الْقَدَمِ وَمَا رَقَّ مِنْ أَسْفَلِهَا ، وَقِيلَ : هُوَ خَصْرُ بَاطِنِهَا الَّذِي لَا يُصِيبُ الْأَرْضَ عِنْدَ الْمَشْيِ . قَوْلُهُ : ( بِالرِّكَابِ ) أَيْ وَهِيَ فِي رَاحِلَتِهِ . قَوْلُهُ : ( فَنَزَعْتُهَا ) ذَكَرَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا مَعَ أَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَى السِّنَانِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْحَدِيدَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَدَمَ .
قَوْلُهُ : ( فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ ) أَيِ ابْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَى الْحِجَازِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ يَعُودُهُ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : فَجَاءَ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَأَتَاهُ . قَوْلُهُ : ( لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : مَا أَصَابَكَ ، وَحَذَفَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ ، أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا مَحْذُوفَ ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ ، فَقَالَ فِيهِ : لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ عَاقَبْنَاهُ ، وَهُوَ يُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ أَيْضًا ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ : لَوْ أَعْلَمُ الَّذِي أَصَابَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ .
قَوْلُهُ : ( أَنْتَ أَصَبْتَنِي ) فِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ يَتَسَبَّبُ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَإِنْ لَمْ يَعْنِ الْآمِرَ ذَلِكَ ، لَكِنْ حَكَى الزُّبَيْرُ فِي الْأَنْسَابِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ شَقَّ عَلَيْهِ فَأَمَرَ رَجُلًا مَعَهُ حَرْبَةٌ يُقَالُ : إِنَّهَا كَانَتْ مَسْمُومَةً فَلَصِقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِهِ فَأَمَرَّ الْحَرْبَةَ عَلَى قَدَمِهِ فَمَرِضَ مِنْهَا أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . فَعَلَى هَذَا فَفِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْآمِرِ بِهِ فَقَطْ وَهُوَ كَثِيرٌ . وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْمُهَلَّبِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( حَمَلْتَ السِّلَاحَ ) أَيْ فَتَبِعَكَ أَصْحَابُكَ فِي حَمْلِهِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : حَمَلْتَ أَيْ أَمَرْتَ بِحَمْلِهِ . قَوْلُهُ : ( فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ ) هَذَا مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ ، وَهُوَ مُصَيَّرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كَانَ يُفْعَلُ كَذَا عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ يُحْكَمُ بِرَفْعِهِ .