حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب اعْتِزَالِ الْحُيَّضِ الْمُصَلَّى

بَاب اعْتِزَالِ الْحُيَّضِ الْمُصَلَّى 981 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ : أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ ، فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : أَوْ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ - فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ اعْتِزَالِ الْحُيَّضِ الْمُصَلَّى ) مَضْمُونُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَعْضُ مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْبَابِ الْمَاضِي ، وَكَأَنَّهُ أَعَادَ هَذَا الْحُكْمَ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَضْمُومًا إِلَى الْبَابِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَقَدْ شَكَّ ابْنُ عَوْنٍ فِي الْعَوَاتِقِ كَمَا شَكَّ أَيُّوبُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : تَخْرُجُ الْأَبْكَارُ وَالْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ .

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ مُدَاوَاةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ الْأَجَانِبِ إِذَا كَانَتْ بِإِحْضَارِ الدَّوَاءِ مَثَلًا وَالْمُعَالَجَةُ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، إِلَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ . وَفِيهِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَوَاتِقِ وَالْمُخَدَّرَاتِ عَدَمُ الْبُرُوزِ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُنَّ فِيهِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِعْدَادِ الْجِلْبَابِ لِلْمَرْأَةِ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ عَارِيَّةِ الثِّيَابِ .

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أُمِرَ بِذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ ، فَظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الِاجْتِمَاعِ وَلِتَعُمَّ الْجَمِيعَ الْبَرَكَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى شُهُودِ الْعِيدَيْنِ ، سَوَاءٌ كُنَّ شَوَابَّ أَمْ لَا ، وَذَوَاتِ هَيْئَاتٍ أَمْ لَا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ وُجُوبَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالَّذِي وَقَعَ لَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلِيٍّ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُمَا ، فَالْأَحَقُّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ امْرَأَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِهِ وَالْمَرْأَةُ لَمْ تُسَمَّ ، وَالْأُخْتُ اسْمُهَا عَمْرَةُ صَحَابِيَّةٌ . وَقَوْلُهُ : حَقٌّ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَيَحْتَمِلُ تَأَكُّدَ الِاسْتِحْبَابِ ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوبِ أَيْضًا ، بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْمَنْعُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ الْجُرْجَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ ، وَلَكِنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ يَقْتَضِي اسْتِثْنَاءَ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ ، قَالَ : وَأُحِبُّ شُهُودَ الْعَجَائِزِ وَغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الصَّلَاةَ ، وَإِنَّا لِشُهُودِهِنَّ الْأَعْيَادَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا .

وَقَدْ سَقَطَتْ وَاوُ الْعَطْفِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ ، فَصَارَتْ غَيْرُ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ صِفَةً لِلْعَجَائِزِ ، فَمَشَى عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَفِيهِ مَا فِيهِ ، بَلْ قَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ فِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ يُتْرَكْنَ إِلَى الْعِيدَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا قُلْتُ بِهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَدْ ثَبَتَ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ - يَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا - فَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَوْلُ بِهِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، عَنِ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَقَالَ : إِنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ ، وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ النَّسْخَ فِيهِ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَأَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِخُرُوجِ الْحُيَّضِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ إِلَى الْعِيدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ ، فَأُرِيدَ التَّكْثِيرُ بِحُضُورِهِنَّ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : تَارِيخُ الْوَقْتِ لَا يُعْرَفُ . قُلْتُ : بَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِدَلَالَةِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَهِدَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَمْ يَتِمَّ مُرَادُ الطَّحَاوِيِّ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ بِعِلَّةِ الْحُكْمِ وَهُوَ شُهُودُهُنَّ الْخَيْرَ وَدَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَاءُ بَرَكَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتِهِ ، وَقَدْ أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُدَّةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَتُهَا فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ : لَوْ رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ لِنُدُورِهِ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ ، مَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِالْمَنْعِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً ، وَفِي قَوْلِهِ : إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْصَارَ بِالنِّسَاءِ وَالتَّكَثُّرَ بِهِنَّ فِي الْحَرْبِ دَالٌّ عَلَى الضَّعْفِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا وَبِهَا الْفِتْنَةُ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى حُضُورِهَا مَحْذُورٌ وَلَا تُزَاحِمُ الرِّجَالَ فِي الطُّرُقِ وَلَا فِي الْمَجَامِعِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ الْحَيْضِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث