بَاب الْوِتْرِ فِي السَّفَرِ
بَاب الْوِتْرِ فِي السَّفَرِ 1000 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ ، يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوِتْرِ فِي السَّفَرِ ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي السَّفَرِ ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الضَّحَّاكِ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا فِي السَّفَرِ لَأَتْمَمْتُ .
كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْهُ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رَاتِبَةَ الْمَكْتُوبَةِ لَا النَّافِلَةَ الْمَقْصُودَةَ كَالْوِتْرِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، فَكَانُوا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، لَا يُصَلُّونَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ، فَلَوْ كُنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لَأَتْمَمْتُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ نَوَافِلِ النَّهَارِ وَنَوَافِلِ اللَّيْلِ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَعَلَى دَابَّتِهِ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ مُسَافِرٌ ، وَقَدْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ مَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا الْفَرَائِضَ ) أَيْ لَكِنِ الْفَرَائِضُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَكَانَ لَا يُصَلِّيهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُجُوبُ الْوِتْرِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَوْقَعَهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا أَنْ يُوقِعَهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى تَكَلُّفِ هَذَا الْجَمْعِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَرِيضَةَ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَوِيٍّ ، لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ دُخُولَ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ مِمَّا يَكْثُرُ عَلَى الْمُسَافِرِ ، فَتَرْكُ الصَّلَاةِ لَهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ دَائِمًا يُشْعِرُ بِالْفَرْقِ بَيْنهَا وَبَيْنَ النَّافِلَةِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ .
وَأَجَابَ مَنِ ادَّعَى وُجُوبَ الْوِتْرِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ الْوَاجِبِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْفَرْضِ نَفْيُ الْوَاجِبِ ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ ، وَقَدْ بَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَادَّعَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ انْفَرَدَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ وَلَمْ يُوَافِقْهُ صَاحِبَاهُ ، مَعَ أَنَّ ابْنَ شَيْبَةَ أَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَالضَّحَّاكِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ عِنْدَهُمْ ، وَعِنْدَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ الْوِتْرُ وَاجِبٌ وَلَمْ يَثْبُتْ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، عَنْ أَصْبَغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَافَقَهُ سَحْنُونُ ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ : مَنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ ، وَكَانَ جَرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ .