حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ

بَاب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ 1011 - - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ) تَرْجَمَ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ ، ثُمَّ تَرْجَمَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكَيْفِيَّتِهِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبَّادٍ أَبُوهُمَا : أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ، كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ بَابًا . قَوْلُهُ : ( اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ طُولَ رِدَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، وَطُولَ إِزَارِهِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرَيْنِ فِي ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ ، كَانَ يَلْبَسُهُمَا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ . وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ بَزِيزَةَ ذَرْعَ الرِّدَاءِ كَالَّذِي ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ فِي ذرْعِ الْإِزَارِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .

قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : تُرْجِمَ بِلَفْظِ التَّحْوِيلِ ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ سَاقَهُمَا لَفْظُ الْقَلْبِ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . انْتَهَى . وَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَلَى لَفْظِ الْقَلْبِ ، فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ حَوَّلَ وَكَذَا هُوَ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ بِالْمُصَلَّى فِي زِيَادَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَلَفْظُهُ : قَلَبَ رِدَاءَهُ جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ وَزَادَ فِيهِ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَالشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَالْمَسْعُودِيُّ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ زِيَادَتَهُ اسْتِطْرَادًا ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ كَوْنِ زِيَادَتِهِ مَوْصُولَةً أَوْ مُعَلَّقَةً فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَلَهُ شَاهِدٌ أَخَرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادٍ بِلَفْظِ : فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ، وَعِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ عَبَّادٍ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلُهُ أَعْلَاهَا ، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ وَقَدِ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ فِعْلَ مَا هَمَّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تَنْكِيسِ الرِّدَاءِ مَعَ التَّحْوِيلِ الْمَوْصُوفِ ، وَزَعَمَ الْقُرْطُبِيُّ كَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ فِي الْجَدِيدِ تَنْكِيسَ الرِّدَاءِ لَا تَحْوِيلَهُ ، وَالَّذِي فِي الْأُمِّ مَا ذَكَرْتُهُ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّحْوِيلِ فَقَطْ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الَّذِي اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ أَحْوَطُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَاسْتَحَبَّ الْجُمْهُورُ أَيْضًا أَنْ يُحَوِّلَ النَّاسُ بِتَحْوِيلِ الْإِمَامِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبَّادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو يُوسُفَ : يُحَوِّلُ الْإِمَامُ وَحْدَهُ . وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ النِّسَاءَ فَقَالَ : لَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِنَّ .

ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ : فَقَلَبَ رِدَاءَهُ أَنَّ التَّحْوِيلَ وَقَعَ بَعْدَ فَرَاغِ الِاسْتِسْقَاءِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلِ الْمَعْنَى : فَقَلَبَ رِدَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ . وَقَدْ بَيَّنَهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ : حَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ : وَإِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ وَأَصْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادٍ : فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا ، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ، فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّحْوِيلَ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّعَاءِ .

وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ هَذَا التَّحْوِيلِ : فَجَزَمَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّهُ لِلتَّفَاؤُلِ بِتَحْوِيلِ الْحَالِ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفَأْلِ أَنْ لَا يُقْصَدَ إِلَيْهِ . قَالَ : وَإِنَّمَا التَّحْوِيلُ أَمَارَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، قِيلَ لَهُ : حَوِّلْ رِدَاءَكَ لِيَتَحَوَّلَ حَالُكَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ ، وَالَّذِي رَدَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ .

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِالظَّنِّ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَكُونَ أَثْبَتَ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ فَلَا يَكُونُ سُنَّةً فِي كُلِّ حَالٍ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّحْوِيلَ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ لَا يَقْتَضِي الثُّبُوتَ عَلَى الْعَاتِقِ ، فَالْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى ، فَإِنَّ الِاتِّبَاعَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث