بَاب مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُوجِبْ السُّجُودَ
بَاب مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُوجِبْ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا . قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا . كَأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ : وَقَالَ سَلْمَانُ : مَا لِهَذَا غَدَوْنَا .
وَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا ، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ . وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ الْقَاصِّ .
1077 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ ، قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ . وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَزَادَ نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ ) أَيْ وَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ اسْجُدُوا عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سُجُودُ الصَّلَاةِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَفِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَلَى النَّدْبِ ، عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ .
وَمِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ مِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الَّتِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ فِيهَا سُجُودٌ أَوْ لَا ، وَهِيَ ثَانِيَةُ الْحَجِّ وَخَاتِمَةُ النَّجْمِ وَاقْرَأْ ، فَلَوْ كَانَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبًا لَكَانَ مَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَوْلَى أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى السُّجُودِ فِيهِ مِمَّا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ . قَوْلُهُ : ( وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقٍ مُطَرِّفٍ قَالَ : سَأَلْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَدْرِي أَسَمِعَ السَّجْدَةَ أَوْ لَا ؟ فَقَالَ : وَسَمِعَهَا أَوْ لَا فَمَاذَا ؟ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ عِمْرَانَ مَرَّ بِقَاصٍّ فَقَرَأَ الْقَاصُّ السَّجْدَةَ فَمَضَى عِمْرَانُ وَلَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ .
إِسْنَادُهُمَا صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَلْمَانُ ) هُوَ الْفَارِسِيُّ . قَوْلُهُ : ( مَا لِهَذَا غَدَوْنَا ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ أَثَرٍ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ مَرَّ سَلْمَانُ عَلَى قَوْمٍ قُعُودٍ ، فَقَرَءُوا السَّجْدَةَ فَسَجَدُوا ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لِهَذَا غَدَوْنَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُثْمَانَ مَرَّ بِقَاصٍّ فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ ، ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَسْجُدْ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا مُخْتَصَرًا ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا وَاسْتَمَعَ وَالطَّرِيقَانِ صَحِيحَانِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ عَنْهُ بِتَمَامِهِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : لَا يَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا قِيلَ لَيْسَ بِدَالٍّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَقُولُ : عَلَّقَ فِعْلَ السُّجُودِ مِنَ الْقَارِئِ وَالسَّامِعِ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ وُجُودُ الطَّهَارَةِ ، فَحَيْثُ وُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَ ؛ لَكِنْ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ قَوْلُهُ فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ لِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ النَّفْلِ ، وَالْوَاجِبُ لَا يُؤَدَّى عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْأَمْنِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ الْقَاصِّ ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ : الَّذِي يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ الْأَخْبَارَ وَالْمَوَاعِظَ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ مَوْصُولًا .
وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآثَارِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : السَّجْدَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ - أَيْ مَوَاضِعَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - سِوَى ثَانِيَةِ الْحَجِّ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ ، سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ اهـ . وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ السَّامِعِ وَالْمُسْتَمِعِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآثَارُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ : لَا أُؤَكِّدُهُ عَلَى السَّامِعِ كَمَا أُؤَكِّدُهُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ . وَأَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ حَدِيثُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ) هُوَ أَخُو مُحَمَّدٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ اِبْن أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ هُوَ عَمُّ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَالْهُدَيْرُ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ ، ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَبِيعَةَ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ .
قَوْلُهُ : ( عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنِي أَيْ أَخْبَرَنِي رَاوِيًا عَنْ عُثْمَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ قِصَّةِ حُضُورِهِ مَجْلِسَ عُمَرَ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ التَّيْمِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرَ فَذَكَرَهُ اهـ . وَقَوْلُهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ مَقْلُوبٌ ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ .
قَوْلُهُ : ( قَرَأَ ) أَيْ أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِنَّمَا . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ .
قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ) فِيهِ تَوْكِيدٌ لِبَيَانِ جَوَازِ تَرْكِ السُّجُودِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ نَافِعٌ ) هُوَ مَقُولُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالْخَبَرُ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَذَكَرَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَزَادَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْنَا السُّجُودُ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَذَكَرَ الْإِسْنَادَ الْأَوَّلَ ، قَالَ : وَقَالَ حَجَّاجٌ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَزَادَ نَافِعٌ فَذَكَرَهُ ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْحُمَيْدِيِّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ ، وَكَذَا عَلَّمَ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ ، وَهُوَ وَهَمٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عُرْوَةَ ، وَعُمَرَ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى عُمَرَ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَيْثُ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : لَمْ يُفْرَضْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ نَفْيَ الْفَرْضِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْوُجُوبِ .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ لَهُمْ حَادِثٌ ، وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا ، وَيُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : إِلَّا أَنْ نَشَاءَ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي السُّجُودِ فَيَكُونُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نَشَاءَ قِرَاءَتَهَا فَيَجِبُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْإِثْمِ عَمَّنْ تَرَكَ الْفِعْلَ مُخْتَارًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي السُّجُودِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَالْمَعْنَى لَكِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى مَشِيئَةِ الْمَرْءِ بِدَلِيلِ إِطْلَاقِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي الْخُطْبَةِ ، وَأَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ سَجْدَةٍ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ بِهَا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّجُودِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ .
وَوَجْهُ ذَلِكَ فِعْلُ عُمَرَ مَعَ حُضُورِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَعَنْ مَالِكٍ يَمُرُّ فِي خُطْبَتِهِ وَلَا يَسْجُدُ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَارِدٌ عَلَيْهِ .