بَاب الصَّلَاةِ بِمِنًى
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ) كَذَا هُوَ بِلَفْظِ الْإِنْبَاءِ ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ وَهَذَا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ) زَادَ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ .
قَوْلُهُ : ( آمَنَ ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْأَمْنِ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْحَمَوِيِّ كَانَتْ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهَا آمَنَ أَوْقَاتِهِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ ، خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ : مَا مَصْدَرِيَّةٌ ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ ، لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَفْعَلُ يَكُونُ جَمْعًا ، وَالْمَعْنَى صَلَّى بِنَا وَالْحَالُ أَنَّا أَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ أَمْنًا .
وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِمِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ آدَمَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ وَكَلِمَةُ قَطُّ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : وَنَحْنُ مَا كُنَّا أَكْثَرَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا أَكْثَرَ أَمْنًا . وَهَذَا يَسْتَدْرِكُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ : اسْتِعْمَالُ قَطُّ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِالنَّفْيِ مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِدُونِ النَّفْيِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ : وَآمَنُهُ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِأَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا وَفَاعِلُهُ اللَّهُ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالتَّقْدِيرُ : وَآمَنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ حِينَئِذٍ .
وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْإِعْرَابِ . وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَصْرَ مُخْتَصٌّ بِالْخَوْفِ ، وَالَّذِي قَالَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِقولِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَلَمْ يَأْخُذِ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ ، فَقِيلَ لِأَنَّ شَرْطَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي شُرِعَ الْحُكْمُ فِيهَا بِسَبَبٍ ثُمَّ زَالَ السَّبَبُ وَبَقِيَ الْحُكْمُ كَالرَّمَلِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقَصْرِ فِي الْآيَةِ : قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ إِلَى رَكْعَةٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، وَلَهُ صُحْبَةٌ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : إِنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ . فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا لَا قَصْرَهَا فِي الْخَوْفِ خَاصَّةً .
وَفِي جَوَابِ عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي . وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ وَهُوَ الْحَذَّاءُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ . قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ : رَكْعَتَانِ ، فَقُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : إِنْ خِفْتُمْ وَنَحْنُ آمِنُونَ ، فَقَالَ : سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذَا يُرَجِّحُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَيْضًا .