حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْل

كتاب التَّهَجُّد 1 - بَاب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ 1120 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ - أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ - ، قَالَ سُفْيَانُ : وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ : وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ، سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مِنَ اللَّيْلِ . وَهُوَ أَوْفَقُ لِلَفْظِ الْآيَةِ ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ .

وَقَصَدَ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَ مَشْرُوعِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ مَعَ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِحُكْمِهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا إلَّا شُذُوذًا مِنَ الْقُدَمَاءِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَتْ مَفْرُوضَةً عَلَى الْأُمَّةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَيَأْتِي تَصْرِيحُ الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْأُمَّةِ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ : اسْهَرْ بِهِ ، وَحَكَاهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا ، وَفِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ : قَوْلُهُ : فَتَهَجَّدْ بِهِ أَيِ : اسْهَرْ بِصَلَاةٍ . وَتَفْسِيرُ التَّهَجُّدِ بِالسَّهَرِ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، يُقَالُ : تَهَجَّدَ إِذَا سَهِرَ ، وَتَهَجَّدَ إِذَا نَامَ ، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ .

وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : هَجَدْتُ نِمْتُ ، وَتَهَجَّدْتُ سَهِرْتُ ، حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَصَاحِبُ الْعَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا أَصْلُ الْهُجُودِ : النَّوْمُ ، وَمَعْنَى تَهَجَّدْتُ : طَرَحْتُ عَنِّي النَّوْمَ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : التَّهَجُّدُ السَّهَرُ بَعْدَ نَوْمَةٍ ، ثُمَّ سَاقَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْمُتَهَجِّدُ الْمُصَلِّي لَيْلًا .

وَقَالَ كُرَاعٌ : التَّهَجُّدُ صَلَاةُ اللَّيْلِ خَاصَّةً . قَوْلُهُ : نَافِلَةً لَكَ النَّافِلَةُ فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ ، فَقِيلَ : مَعْنَاهُ عِبَادَةٌ زَائِدَةٌ فِي فَرَائِضِكَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّافِلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَكُتِبَ عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ .

وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ زِيَادَةٌ لَكَ خَالِصَةٌ ؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ غَيْرِهِ يُكَفِّرُ مَا عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ ذَنْبٍ ، وَتَطَوُّعُهُ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقَعُ خَالِصًا لَهُ لِكَوْنِهِ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ ، وَرَوَى مَعْنَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَعَنْ قَتَادَةَ كَذَلِكَ ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ ، وَلَيْسَ الثَّانِي بِبَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ طَاوُسٍ : إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ .

وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ أَوَّلُ مَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ هَذَا التَّحْمِيدَ بَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ قَالَ بَعْدَ مَا يُكَبِّرُ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ مَبِيتِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ ، وَفِي آخِرِهِ : وَكَانَ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، الْحَدِيثَ . وَهَذَا قَالَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ، كَمَا بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورَةِ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّوْحِيدِ ، قَالَ قَتَادَةُ : الْقَيَّامُ : الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ الْمُقِيمُ لِغَيْرِهِ .

قَوْلُهُ : ( أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أَيْ مُنَوِّرُهُمَا ، وَبِكَ يَهْتَدِي مَنْ فِيهِمَا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْتَ الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ ، يُقَالُ : فُلَانٌ مُنَوَّرٌ ؛ أَيْ : مُبَرَّأٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، وَيُقَالُ : هُوَ اسْمُ مَدْحٍ ؛ تَقُولُ : فُلَانٌ نُورُ الْبَلَدِ ؛ أَيْ : مُزَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، ولِلكُشْمِيهَنِيِّ : ( لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ ) وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالسِّيَاقِ .

قَوْلُهُ : ( أَنْتَ الْحَقُّ ) ؛ أَيِ : الْمُتَحَقِّقُ الْوُجُودِ ، الثَّابِتُ بِلَا شَكٍّ فِيهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الْوَصْفُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ خَاصٌّ بِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ ، إِذْ وُجُودُهُ لِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ ، وَلَا يَلْحَقُهُ عَدَمٌ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْتَ الْحَقُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدَّعَى فِيهِ أَنَّهُ إِلَهٌ ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ سَمَّاكَ إِلَهًا فَقَدْ قَالَ الْحَقَّ . قَوْلُهُ : ( وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ) أَيِ : الثَّابِتُ ، وَعَرَّفَهُ وَنَكَّرَ مَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ وَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْجَازِ دُونَ وَعْدِ غَيْرِهِ ، وَالتَّنْكِيرُ فِي الْبَوَاقِي لِلتَّعْظِيمِ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ .

وَاللِّقَاءُ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْوَعْدِ ، لَكِنَّ الْوَعْدَ مَصْدَرٌ ، وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ هُوَ الْمَوْعُودُ بِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ كَمَا أَنَّ ذِكْرُ الْقَوْلِ بَعْدَ الْوَعْدِ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَلِقَاؤُكَ الحَقٌّ ) فِيهِ الْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَآلِ الْخَلْقِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ . وَقِيلَ : مَعْنَى ( لِقَاؤُكَ حَقٌّ ) أَيِ : الْمَوْتُ ، وَأَبْطَلَهُ النَّوَوِيُّ .

قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُكَ حَقٌّ ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ ، وَعَطَفَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ إِيذَانًا بِالتَّغَايُرِ بِأَنَّهُ فَائِقٌ عَلَيْهِمْ بِأَوْصَافٍ مُخْتَصَّةٍ ، وَجَرَّدَهُ عَنْ ذَاتِهِ كَأَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَصْدِيقُهُ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ نُبُوَّتِهِ ، كَمَا فِي التَّشَهُّدِ .

قَوْلُهُ : ( وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ) أَيْ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَأَصْلُ السَّاعَةِ : الْقِطْعَةُ مِنَ الزَّمَانِ ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْحَقِّ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْأُمُورِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ كَوْنِهَا ، وَأَنَّهَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُصَدِّقَ بِهَا . وَتَكْرَارُ لَفْظِ حَقٌّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيدِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ) أَيِ : انْقَدْتُ وَخَضَعْتُ ، ( وَبِكَ آمَنْتُ ) أَيْ : صَدَّقْتُ ، ( وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ) أَيْ : فَوَّضْتُ الْأَمْرَ إِلَيْكَ تَارِكًا لِلنَّظَرِ فِي الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ .

( وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ) أَيْ : رَجَعْتُ إِلَيْكَ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِي . قَوْلُهُ : ( وَبِكَ خَاصَمْتُ ) أَيْ : بِمَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْبُرْهَانِ ، وَبِمَا لَقَّنْتَنِي مِنَ الْحُجَّةِ . قَوْلُهُ : ( وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ) أَيْ : كُلُّ مَنْ جَحَدَ الْحَقَّ حَاكَمْتُهُ إِلَيْكَ ، وَجَعَلْتُكَ الْحَكَمَ بَيْنَنَا ، لَا مَنْ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ مِنْ كَاهِنٍ وَنَحْوِهِ .

وَقَدَّمَ مَجْمُوعَ صِلَاتِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَيْهَا إِشْعَارًا بِالتَّخْصِيصِ وَإِفَادَةً لِلْحَصْرِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : ( وَلَكَ الْحَمْدُ ) ، وَقَوْلُهُ : ( فَاغْفِرْ لِي ) قَالَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مَغْفُورًا لَهُ ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْهَضْمِ لِنَفْسِهِ وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا لِرَبِّهِ ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ لِتَقْتَدِيَ بِهِ ، كَذَا قِيلَ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ لِلتَّعْلِيمِ فَقَطْ لَكَفَى فِيهِ أَمْرُهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا . قَوْلُهُ : ( وَمَا قَدَّمْتُ ) أَيْ : قَبَلَ هَذَا الْوَقْتِ ( وَمَا أَخَّرْتُ ) عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ) أَيْ : أَخْفَيْتُ وَأَظْهَرْتُ ، أَوْ مَا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي ، وَمَا تَحَرَّكَ بِهِ لِسَانِي .

زَادَ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ : ( وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ) وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَدِّمُ فِي الْبَعْثِ فِي الْآخِرَةِ ، وَالْمُؤَخِّرُ فِي الْبَعْثِ فِي الدُّنْيَا . زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا فِي الدَّعَوَاتِ : ( أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ ) .

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْقَيِّمِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وُجُودَ الْجَوَاهِرِ وَقِوَامَهَا مِنْهُ ، وَالنُّورَ إِلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ أَيْضًا مِنْهُ ، وَالْمُلْكَ إِلَى أَنَّهُ حَاكِمٌ عَلَيْهَا إِيجَادًا وَإِعْدَامًا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، فَلِهَذَا قَرَنَ كُلًّا مِنْهَا بِالْحَمْدِ ، وَخَصَّصَ الْحَمْدَ بِهِ . ثُمَّ قَوْلُهُ : ( أَنْتَ الْحَقُّ ) إِشَارَةٌ إِلَى الْمَبْدَأِ ، وَالْقَوْلُ وَنَحْوُهُ إِلَى الْمَعَاشِ ، وَالسَّاعَةُ وَنَحْوُهَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعَادِ ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى النُّبُوَّةِ وَإِلَى الْجَزَاءِ ثَوَابًا وَعِقَابًا ، وَوُجُوبُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ، وَالتَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ ، انْتَهَى . وَفِيهِ زِيَادَةُ مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظَمَةِ رَبِّهِ ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ ، وَمُوَاظَبَتِهُ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ عَلَى رَبِّهِ ، وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِحُقُوقِهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِصِدْقِ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ كُلِّ مَطْلُوبٍ اقْتِدَاءً بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ ، وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ ) هَذَا مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ خَالُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ سَمِعْتُ طَاوُسًا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ سُفْيَانُ : وَزَادَ فِيهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ : وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ وَلَمْ يَقُلْهَا سُلَيْمَانُ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ سُفْيَانُ : وَكُنْتُ إِذَا قُلْتُ لِعَبْدِ الْكَرِيمِ آخِرَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ : وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ، قَالَ : وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، قَالَ سُفْيَانُ : وَلَيْسَ هُوَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ ، انْتَهَى .

وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ لَمْ يَذْكُرْ إِسْنَادَهُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، لَكِنَّهُ عَلَى الِاحْتِمَالِ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِ سُفْيَانَ لَهَا مِنْ سُلَيْمَانَ أَنْ لَا يَكُونَ سُلَيْمَانُ حَدَّثَ بِهَا ، وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ فَأَدْرَجَهَا فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، فَذَكَرَهَا فِي آخِرِ الْخَبَرِ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَلَيْسَ لِعَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ - فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْبُخَارِيُّ التَّخْرِيجَ لَهُ ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَعُدُّونَهُ فِي رِجَالِهِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ عَنْهُ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ لِلْمَسْعُودِيِّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ لِلْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فِي الْبُيُوعِ ، وَعَلَّمَ الْمِزِّيُّ عَلَى هَؤُلَاءِ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ مَوْصُولَةٌ ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَقْصِدِ التَّخْرِيجَ عَنْهُمْ ، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْمُنْذِرِيِّ : قَدِ اسْتَشْهَدَ الْبُخَارِيُّ ، بِعَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَشْهِدْ بِهِ إِلَّا إِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِشْهَادِ مُقَابِلَ الِاحْتِجَاجِ فَلَهُ وَجْهٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ طَاهِرٍ : إنَّ الْبُخَارِيَّ ، وَمُسْلِمًا أَخْرَجَا لِعَبْدِ الْكَرِيمِ هَذَا فِي الْحَجِّ حَدِيثًا وَاحِدًا عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ عَلِيٍّ فِي الْقِيَامِ عَلَى الْبَدَنِ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ فَهُوَ غَلَطٌ مَنّهُ ، فَإِنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ الْمَذْكُورَ هُوَ الْجَزَرِيُّ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ ) هُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُفْيَانُ بِذَلِكَ بَيَانَ سَمَاعِ سُلَيْمَانَ لَهُ مِنْ طَاوُسٍ لِإِيرَادِهِ لَهُ أَوَّلًا بِالْعَنْعَنَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَلِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، قَالَ سُفْيَانُ إِلَخْ .

وَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ خَشْرَمٍ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، وَأَمَّا الْفَرَبْرِيُّ فَقَدْ سَمِعَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ ، فَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا كَانَ عِنْدَهُ عَالِيًا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث