بَاب لَا يَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاة
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ فَقَالَ : إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي ، وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ . ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ جَابِرٍ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ . قَوْلُهُ : ( شِنْظِيرٍ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ ، وَهُوَ عَلَمٌ عَلَى وَالِدِ كَثِيرٍ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ السَّيِّئُ الْخُلُقِ .
قَوْلُهُ : ( بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ ) بَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ : فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أُخْرَى : فَأَشَارَ إِلَيَّ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ؛ أَيْ بِاللَّفْظِ .
وَكَأَنَّ جَابِرًا لَمْ يَعْرِفْ أَوَّلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ الرَّدُّ عَلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ : فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ؛ أَيْ مِنَ الْحُزْنِ . وَكَأَنَّهُ أَبْهَمَ ذَلِكَ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مِنْ شِدَّتِهِ تَحْتَ الْعِبَارَةِ . قَوْلُهُ : ( وَجَدَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْجِيمِ ؛ أَيْ غَضِبَ .
قَوْلُهُ : ( أَنِّي أَبْطَأْتُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ أَبْطَأْتُ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ ) ؛ أَيْ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : مَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ ) أَيِ السَّلَامَ ( إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي ) وَلِمُسْلِمٍ : فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ : كَرَاهَةُ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي لِكَوْنِهِ رُبَّمَا شُغِلَ بِذَلِكَ فَكُرِهَ ، وَاسْتَدْعَى مِنْهُ الرَّدَّ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، وَبِذَلِكَ قَالَ جَابِرٌ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَا يُكْرَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالُوا : يَرُدُّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ - أَوْ وَهُوَ فِيهَا - بِالْإِشَارَةِ . وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُهُمْ فِي الْإِشَارَةِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ سُجُودِ السَّهْوِ .