بَاب فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَب
بَاب فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ وَقول اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 1248 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَضْلِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا ، لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ دُخُولُ الْجَنَّةِ ، وَفِي الثَّانِي الْحَجْبُ عَنِ النَّارِ ، وَفِي الثَّالِثِ تَقْيِيدُ الْوُلُوجِ بِتَحِلَّةِ الْقَسَمِ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا ثُبُوتُ الْفَضْلِ لِمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ . وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنْ يُقَالَ : الدُّخُولُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحَجْبَ ، فَفِي ذِكْرِ الْحَجْبِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الدُّخُولَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ ، وَأَمَّا الثَّالِثُ ، فَالْمُرَادُ بِالْوُلُوجِ الْوُرُودُ ، وَهُوَ الْمُرُورُ عَلَى النَّارِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ : إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ .
وَالْمَارُّ عَلَيْهَا عَلَى أَقْسَامٍ : مِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْمَعُ حَسِيسَهَا ، وَهُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الْحُسْنَى مِنَ اللَّهِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ ، فَلَا تَنَافِيَ مَعَ هَذَا بَيْنَ الْوُلُوجِ وَالْحَجْبِ ، وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ : وَلَدٍ لِيَتَنَاوَلَ الْوَاحِدَ فَصَاعِدًا ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ الْبَابِ قَدْ قُيِّدَ بِثَلَاثَةٍ أَوِ اثْنَيْنِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ذِكْرُ الْوَاحِدِ فَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ دَفَنَ ثَلَاثَةً فَصَبَرَ عَلَيْهِمْ وَاحْتَسَبَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ . فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ : أَوِ اثْنَيْنِ ؟ فَقَالَ : أَوِ اثْنَيْنِ . فَقَالَتْ : وَوَاحِدٌ ؟ فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : وَوَاحِدٌ .
أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ . وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا : مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النَّارِ . قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ .
قَالَ : وَاثْنَيْنِ . قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : قَدَّمْتُ وَاحِدًا . قَالَ : وَوَاحِدًا .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : غَرِيبٌ . وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ ؟ قَالَ : وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ .
الْحَدِيثَ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ مَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، بَلْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ الَّتِي عَلَّقَ الْمُصَنِّفُ إِسْنَادَهَا كَمَا سَيَأْتِي ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَالَتْ : وَاثْنَانِ ، قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ : يَا لَيْتَنِي قُلْتُ : وَوَاحِدٌ . وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ : مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثٌ مِنَ الْوَلَدِ فَاحْتَسَبَهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاثْنَانِ ؟ قَالَ مَحْمُودٌ : قُلْتُ لِجَابِرٍ : أُرَاكُمْ لَوْ قُلْتُمْ : وَوَاحِدٌ لَقَالَ : وَوَاحِدٌ .
قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ أَصَحُّ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ ، لَكِنْ رَوَى الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مَرْفُوعًا : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةَ . وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْوَاحِدُ فَمَا فَوْقَهُ ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : فَاحْتَسَبَ ؛ أَيْ صَبَرَ رَاضِيًا بِقَضَاءِ اللَّهِ رَاجِيًا فَضْلَهُ ، وَلَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَيْضًا كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ الْمَذْكُورِ قَبْلُ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ : مَنِ احْتَسَبَ مِنْ صُلْبِهِ ثَلَاثَةً دَخَلَ الْجَنَّةَ .
الْحَدِيثَ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ . الْحَدِيثَ .
وَلِأَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ : مَنْ أَعْطَى ثَلَاثَةً مِنْ صُلْبِهِ فَاحْتَسَبَهُمْ عَلَى اللَّهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ . وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ السُّلَمِيِّ رَفَعَهُ : لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا كَانُوا جُنَّةً مِنَ النَّارِ . الْحَدِيثَ .
وَقَدْ عُرِفَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَتَرَتَّبُ إِلَّا عَلَى النِّيَّةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدِ الِاحْتِسَابِ ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ ، وَلَكِنْ أَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى اعْتِرَاضٍ لَفْظِيٍّ ، فَقَالَ : يُقَالُ فِي الْبَالِغِ : احْتَسَبَ ، وَفِي الصَّغِيرِ : افْتَرَطَ . انْتَهَى . وَبِذَلِكَ قَالَ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ هَذَا مَوْضِعَ هَذَا ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ : احْتَسَبَ فُلَانٌ بِكَذَا : طَلَبَ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِكَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهِيَ حُجَّةٌ فِي صِحَّةِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ : وَقَالَ اللَّهُ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ، وَقَدْ وُصِفَ فِيهَا الصَّابِرُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ تَقْيِيدَ مَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَرْكِ الْقَلَقِ وَالْجَزَعِ ، وَلَفْظُ الْمُصِيبَةِ فِي الْآيَةِ ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُصِيبَةَ بِالْوَلَدِ ، فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ) هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ ) قَيَّدَهُ بِهِ لِيَخْرُجَ الْكَافِرُ ، وَ مِنْ الْأُولَى بَيَانِيَّةٌ ، وَالثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ ، وَسَقَطَتْ مِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ .
وَ مُسْلِمٍ اسْمُ مَا ، وَالِاسْتِثْنَاءُ وَمَا مَعَهُ الْخَبَرُ ، وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ ، لَكِنْ هَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ مَاتَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْأَشْجَعِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَاتَ لِي وَلَدَانِ ، قَالَ : مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ .
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَجَاءَ الْأَسْلَمِيَّةِ قَالَتْ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ لِي فِي ابْنٍ لِي بِالْبَرَكَةِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ لي ثَلَاثَةٌ . فَقَالَ : أَمُنْذُ أَسْلَمْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
قَوْلُهُ : ( يُتَوَفَّى لَهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهِ الْمَذْكُورَةِ : مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ وَلَدِهِ الرَّجُلُ حَقِيقَةً ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَةُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، فَفِيهَا : ثَلَاثَةٌ مِنْ صُلْبِهِ . وَكَذَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْأَوْلَادِ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ ؟ مَحَلُّ بَحْثٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَوْلَادَ الصُّلْبِ يَدْخُلُونَ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ فَقْدِ الْوَسَائِطِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَبِ ، وَفِي التَّقيَيُّدِ بِكَوْنِهِمْ مِنْ صُلْبِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ .
قَوْلُهُ : ( ثَلَاثَةٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ : ثَلَاثٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ ، وَهُوَ جَائِزٌ لِكَوْنِ الْمُمَيَّزِ مَحْذُوفًا . قَوْلُهُ : ( لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ ، بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَبْلُغُوا أَنْ يَعْمَلُوا الْمَعَاصِيَ . قَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْهُ كَذَلِكَ غَيْرُهُ ، وَالْمَحْفُوظُ : الْأَوَّلُ ؛ وَالْمَعْنَى : لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ، فَتُكْتَبْ عَلَيْهِمُ الْآثَامُ .
قَالَ الْخَلِيلُ : بَلَغَ الْغُلَامُ الْحِنْثَ إِذَا جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ ، وَالْحِنْثُ : الذَّنْبُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴾وَقِيلَ : الْمُرَادُ : بَلَغَ إِلَى زَمَانٍ يُؤَاخَذُ بِيَمِينِهِ إِذَا حَنِثَ . وَقَالَ الرَّاغِبُ : عَبَّرَ بِالْحِنْثِ عَنِ الْبُلُوغِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِمَا يَرْتَكِبُهُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ ، وَخُصَّ الْإِثْمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُلُ بِالْبُلُوغِ ، لِأَنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يُثَابُ ، وَخَصَّ الصَّغِيرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ ، وَالْحُبُّ لَهُ أَشَدُّ ، وَالرَّحْمَةُ لَهُ أَوْفَرُ ، وَعَلَى هَذَا ، فَمَنْ بَلَغَ الْحِنْثَ لَا يَحْصُلُ لِمَنْ فَقَدَهُ مَا ذُكِرَ مِنْ هَذَا الثَّوَابِ ، وَإِنْ كَانَ فِي فَقْدِ الْوَلَدِ أَجْرٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَبِهَذَا صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْعُقُوقُ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الرَّحْمَةِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : بَلْ يَدْخُلُ الْكَبِيرُ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى ، لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ الَّذِي هُوَ كَلٌّ عَلَى أَبَوَيْهِ ، فَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ، وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْعُ ، وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْحُقُوقِ ؟ قَالَ : وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِلْغَاءِ الْبُخَارِيِّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ . انْتَهَى .
وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ : بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لِلصِّغَارِ أَكْثَرُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِثْمِ مِنْهُمْ . وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِالصِّغَارِ مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مَثَلًا ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ كَوْنَهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الْإِلْحَاقَ ، وَكَوْنَ الِامْتِحَانِ بِهِمْ يَخِفُّ بِمَوْتِهِمْ يَقْتَضِي عَدَمَهُ ، وَلَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ بِشِدَّةِ الْحُبِّ وَلَا عَدَمِهِ ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، لِمَا يُوجَدُ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِ النَّاسِ لِوَلَدِهِ وَتَبَرُّمِهِ مِنْهُ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ ضَيِّقَ الْحَالِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ مَظِنَّةَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ ، وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ ) فِي حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ نَحْوِ حَدِيثِ الْبَابِ ، لَكِنْ فِيهِ : إِلَّا تَلَقَّوْهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ دَخَلَ .
وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ : مَا يَسُرُّكَ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ عِنْدَهُ يَسْعَى يَفْتَحُ لَكَ . قَوْلُهُ : ( بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ) ، أَيْ بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْأَوْلَادِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : قِيلَ : إِنَّ الضَّمِيرَ فِي رَحْمَتِهِ لِلْأَبِ ، لِكَوْنِهِ كَانَ يَرْحَمُهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَيُجَازَى بِالرَّحْمَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ .
وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ أُقَيْشٍ ، وَهُوَ بِقَافٍ وَمُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ ، مَرْفُوعًا : مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ لَهُمَا أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ . وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا .
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : إِيَّاهُمْ جِنْسُ الْمُسْلِمِ الَّذِي مَاتَ أَوْلَادُهُ ، لَا الْأَوْلَادُ ، أَيْ بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ لِمَنْ مَاتَ لَهُمْ ، قَالَ : وَسَاغَ الْجَمْعُ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ . انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ ، بَلْ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْأَوْلَادِ ، فَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ هُوَ وَإِيَّاهُمُ الْجَنَّةَ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْأَشْجَعِيِّ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ : أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ . قَالَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ : مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ ، فَوَضَحَ بِذَلِكَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : إِيَّاهُمْ لِلْأَوْلَادِ لَا لِلْآبَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الحديث الثاني :