حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب زِيَارَةِ الْقُبُورِ

باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ 1283 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ : اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ، قَالَتْ : إِلَيْكَ عَنِّي ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ، وَلَمْ تَعْرِفْهُ ، فَقِيلَ لَهَا : إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ : إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ) ؛ أَيْ مَشْرُوعِيَّتُهَا ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُثْبِتْ عَلَى شَرْطِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُصَرِّحَةَ بِالْجَوَازِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَفِيهِ نَسْخُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا . وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ .

وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِهِ فِيهِ : وَتُرِقُّ الْقَلْبَ ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ ، فَلَا تَقُولُوا هُجْرًا . أَيْ كَلَامًا فَاحِشًا ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ .

قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلْعَبْدِيِّ ، وَالْحَازِمِيِّ وَغَيْرِهِمَا : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ جَائِزَةٌ . كَذَا أَطْلَقُوا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرَهُ رَوَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا ، حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيُّ : لَوْلَا نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَزُرْتُ قَبْرَ ابْنَتِي . فَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّاسِخُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَمُقَابِلُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ : إِنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَاجِبَةٌ ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمُرِ ؛ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ . وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ ، فَقِيلَ : دَخَلْنَ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ ، وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْمَرْأَةِ قُعُودَهَا عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَتَقْرِيرُهُ حُجَّةٌ . وَمِمَّنْ حَمَلَ الْإِذْنَ عَلَى عُمُومِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَائِشَةُ ، فَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ رَآهَا زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقِيلَ لَهَا : أَلَيْسَ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، كَانَ نَهَى ، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا .

وَقِيلَ : الْإِذْنُ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ ، وَبِحَدِيثِ : لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ . وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ فِي حَقِّهِنَّ : هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا اللَّعْنُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُكْثِرَاتِ مِنَ الزِّيَارَةِ لِمَا تَقْتَضِيهِ الصِّفَةُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ الزَّوْجِ وَالتَّبَرُّجِ ، وَمَا يَنْشَأُ مِنْهُنَّ مِنَ الصِّيَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَقَدْ يُقَالُ : إِذَا أُمِنَ جَمِيعُ ذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنَ الْإِذْنِ ، لِأَنَّ تَذَكُّرَ الْمَوْتِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ .

قَوْلُهُ : ( بِامْرَأَةٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَلَا اسْمِ صَاحِبِ الْقَبْرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ وَلَدُهَا ، وَلَفْظُهُ : تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا . وَصُرِّحَ بِهِ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ : قَدْ أُصِيبَتْ بِوَلَدِهَا . وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ : إِنَّ أَنَسًا قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ : تَعْرِفِينَ فُلَانَةً ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .

قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهَا . فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اتَّقِي اللَّهَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، فَقَالَ : يَا أَمَةَ اللَّهِ ، اتَّقِي اللَّهَ .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ فِي بُكَائِهَا قَدْرٌ زَائِدٌ مِنْ نَوْحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلِهَذَا أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى . قُلْتُ : يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَذْكُورِ : فَسَمِعَ مِنْهَا مَا يُكْرَهُ ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : اتَّقِي اللَّهَ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ : وَاصْبِرِي ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهَا : خَافِي غَضَبَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَصْبِرِي ، وَلَا تَجْزَعِي لِيَحْصُلَ لَكِ الثَّوَابُ .

قَوْلُهُ : ( إِلَيْكَ عَنِّي ) هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ ، وَمَعْنَاهَا تَنَحَّ وَابْعُدْ . قَوْلُهُ : ( لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ) سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَلِمُسْلِمٍ : مَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي . وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي أَنَا الْحَرَّى الثَّكْلَى ، وَلَوْ كُنْتَ مُصَابًا عَذَرْتَنِي .

قَوْلُهُ : ( وَلَمْ تَعْرِفْهُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ؛ أَيْ : خَاطَبَتْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ تَعْرِفْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ لَهَا ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ : فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ ، فَقَالَ لَهَا : إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَتْ : مَا عَرَفْتُهُ .

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى الْمَذْكُورَةِ : قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفِينَهُ ؟ قَالَتْ : لَا . وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهَا هُوَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ : فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ ؛ أَيْ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ الَّذِي أَصَابَهَا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَجَلًا مِنْهُ وَمَهَابَةً . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ : بَوَّابًا بِالْإِفْرَادِ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ عُذْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي كَوْنِهَا لَمْ تَعْرِفْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ بَوَّابًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ تَوَاضُعًا ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ لَا يَسْتَتْبِعُ النَّاسَ وَرَاءَهُ إِذَا مَشَى كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمُلُوكِ وَالْأَكَابِرُ ، فَلِذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ مَعَ مَا كَانَتْ فِيهِ مِنْ شَاغِلِ الْوَجْدِ وَالْبُكَاءِ .

وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهَا : إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، اسْتَشْعَرَتْ خَوْفًا وَهَيْبَةً فِي نَفْسِهَا ، فَتَصَوَّرَتْ أَنَّهُ مِثْلُ الْمُلُوكِ لَهُ حَاجِبٌ وَبَوَّابٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ ، فَوَجَدَتِ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا تَصَوَّرَتْهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفْكَ ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْكَامِ : عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ .

وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ ، وَالْمَعْنَى إِذَا وَقَعَ الثَّبَاتُ أَوَّلَ شَيْءٍ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْجَزَعِ ، فَذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ . وَأَصْلُ الصَّدْمِ : ضَرْبُ الشَّيْءِ الصُّلْبِ بِمِثْلِهِ ، فَاسْتُعِيرَ لِلْمُصِيبَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقَلْبِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ الصَّبْرَ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ مَا كَانَ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ الْمُصِيبَةِ ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ عَلَى الْأَيَّامِ يَسْلُو . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يُؤْجَرْ عَلَى الْمُصِيبَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْجَرْ عَلَى حُسْنِ تَثَبُّتِهِ وَجَمِيلِ صَبْرِهِ .

وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : أَرَادَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا مُصِيبَةُ الْهَلَاكِ ، وَفَقْدُ الْأَجْرِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : صَدَرَ هَذَا الْجَوَابُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهَا : لَمْ أَعْرِفْكَ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا : دَعِي الِاعْتِذَارَ فَإِنِّي لَا أَغْضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَانْظُرِي لِنَفْسِكِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فَائِدَةُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ طَائِعَةً لِمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنَ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ ، مُعْتَذِرَةً عَنْ قَوْلِهَا الصَّادِرِ عَنِ الْحُزْنِ ، بَيَّنَ لَهَا أَنَّ حَقَّ هَذَا الصَّبْرِ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ ، فَهُوَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ .

انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَةِ : فَقَالَتْ أَنَا أَصْبِرُ ، أَنَا أَصْبِرُ . وَفِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَذْكُورِ ، فَقَالَ : اذْهَبِي إِلَيْكِ ، فَإِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّمَدةِ الْأُولَى .

وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِيهِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ : وَالْعَبْرَةُ لَا يَمْلِكُهَا ابْنُ آدَمَ . وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ تَأَخَّرَتْ بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَالزِّيَارَةُ إِنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ أَنْشَأَ إِلَى الْقَبْرِ قَصْدًا مِنْ جِهَةِ اسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِي حَقِّهَا ، حَيْثُ أَمَرَهَا بِالتَّقْوَى وَالصَّبْرِ لِمَا رَأَى مِنْ جَزَعهَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا لِتَشْيِيعِ مَيِّتِهَا ، فَأَقَامَتْ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ ، أَوْ أَنْشَأَتْ قَصْدَ زِيَارَتِهِ بِالْخُرُوجِ بِسَبَبِ الْمَيِّتِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ : مَا كَانَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالْجَاهِلِ ، وَمُسَامَحَةُ الْمُصَابِ وَقَبُولُ اعْتِذَارِهِ ، وَمُلَازَمَةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ .

وَفِيهِ : الْقَاضِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ حَوَائِجِ النَّاسِ ، وَأَنَّ مَنْ أُمِرَ بِمَعْرُوفٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفِ الْآمِرَ . وَفِيهِ أَنَّ الْجَزَعَ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَمْرِهِ لَهَا بِالتَّقْوَى مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ . وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي احْتِمَالِ الْأَذَى عِنْدَ بَذْلِ النَّصِيحَةِ وَنَشْرِ الْمَوْعِظَةِ ، وَأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ بِالْخِطَابِ إِذَا لَمْ تُصَادِفِ الْمَنْوِيَّ لَا أَثَرَ لَهَا .

وَبَنَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ مَا إِذَا قَالَ : يَا هِنْدُ ، أَنْتِ طَالِقٌ . فَصَادَفَ عَمْرَةَ أَنَّ عَمْرَةَ لَا تُطَلَّقُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّائِرُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً كَمَا تَقَدَّمَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَزُورُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فِي ذَلِكَ .

قَالَ النَّوَوِيُّ : وَبِالْجَوَازِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : لَا تَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ ، وَهُوَ غَلَطٌ . انْتَهَى . وَحُجَّةُ الْمَاوَرْدِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى .

( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ تَرْجَمَةَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَدَّمُ الزِّيَارَةَ ، لِأَنَّ الزِّيَارَةَ يَتَكَرَّرُ وُقُوعُهَا فَجَعَلَهَا أَصْلًا وَمِفْتَاحًا لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّ مُنَاسَبَةَ تَرْجَمَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ تُنَاسِبُ اتِّبَاعَ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ حَصْرَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ مُتَوَالِيَةً .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث