حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِه

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ بلال بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ : فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ : فَقَالَ : هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَنَا ، قَالَ : فَانْزِلْ . قَالَ : فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ الْمُسْنَدِيُّ ، وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ هِلَالٍ ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابٍ : حَدَّثَنَا هِلَالٌ . قَوْلُهُ : ( شَهِدْنَا بِنْتًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ زَوْجُ عُثْمَانَ ، رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ ، وَكَذَا الدُّولَابِيُّ فِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، فَسَمَّاهَا رُقَيَّةَ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : مَا أَدْرِي مَا هَذَا ، فَإِنَّ رُقَيَّةَ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ لَمْ يَشْهَدْهَا .

قُلْتُ : وَهِمَ حَمَّادٌ فِي تَسْمِيَتِهَا فَقَطْ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ كُلْثُومٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَتْ : نَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا أَبُو طَلْحَةَ . وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : هَذِهِ الْبِنْتُ كَانَتْ لِبَعْضِ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .

وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمَيِّتَةَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هِيَ الْمُحْتَضَرَةُ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنْتُهُ . قَوْلُهُ : ( لَمْ يُقَارِفْ ) بِقَافٍ وَفَاءٍ ، زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ فُلَيْحٍ : أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ . ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ تَعْلِيقًا ، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَكَذَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ، عَنْ فُلَيْحٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَمْ يُجَامِعْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ وَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَبَجَّحَ أَبُو طَلْحَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ .

انْتَهَى . وَيُقَوِّيهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ : لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ أَهْلَهُ الْبَارِحَةَ . فَتَنَحَّى عُثْمَانُ .

وَحُكِيَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ : ( لَمْ يُقَارِفْ ) تَصْحِيفٌ ، وَالصَّوَابُ لَمْ يُقَاوِلْ ؛ أَيْ : لَمْ يُنَازِعْ غَيْرَهُ الْكَلَامَ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَغْلِيطٌ لِلثِّقَةِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَقَعَ لِعُثْمَانَ ذَلِكَ لِحِرْصِهِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْخَاطِرِ الشَّرِيفِ . وَيُجَابُ عَنْهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرَضُ الْمَرْأَةِ طَالَ وَاحْتَاجَ عُثْمَانُ إِلَى الْوِقَاعِ ، وَلَمْ يَظُنَّ عُثْمَانُ أَنَّهَا تَمُوتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ وَاقَعَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، بَلْ وَلَا حِينَ احْتِضَارِهَا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْبُكَاءِ كَمَا تَرْجَمَ لَهُ ، وَإِدْخَالُ الرِّجَالِ الْمَرْأَةَ قَبْرَهَا لِكَوْنِهِمْ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنَ النِّسَاءِ ، وَإِيثَارُ الْبَعِيدِ الْعَهْدِ عَنِ الْمَلَاذِ فِي مُوَارَاةِ الْمَيِّتِ - وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً - عَلَى الْأَبِ وَالزَّوْجِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا آثَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ صَنْعَتَهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ السِّيَاقِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَارَهُ لِذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ جِمَاعٌ ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يُذَكِّرَهُ الشَّيْطَانُ بِمَا كَانَ مِنْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ السِّرَّ فِي إِيثَارِ أَبِي طَلْحَةَ عَلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ قَدْ جَامَعَ بَعْضَ جَوَارِيهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، فَتَلَطَّفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْعِهِ مِنَ النُّزُولِ فِي قَبْرِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ : فَلَمْ يَدْخُلْ عُثْمَانُ الْقَبْرَ .

وَفِيهِ جَوَازُ الْجُلُوسِ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ عِنْدَ الدَّفْنِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِحَدِيثِ جَبْرِ بْنِ عَتِيكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَإِنَّ فِيهِ : فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ . يَعْنِي إِذَا مَاتَ . وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ ، وَالْمُرَادُ : لَا تَرْفَعْ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ النِّسَاءَ قَدْ يُفْضِي بِهِنَّ الْبُكَاءُ إِلَى مَا يُحْذَرُ مِنَ النَّوْحِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْجُلُوسِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِعُثْمَانَ لِإِيثَارِهِ الصِّدْقَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث