بَاب مَا يُنْهَى مِنْ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِك
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ : أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَأُمِّ الْعَلَاءِ ، وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ ، وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ ، وَامْرَأَةٍ أُخْرَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ) هُوَ الْحَجَبِيُّ ، وَحَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . وَقَدْ رَوَاهُ عَارِمٌ ، عَنْ حَمَّادٍ فَقَالَ : عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بَدَلَ مُحَمَّدٍ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَلَهُ أَصْلٌ عَنْ حَفْصَةَ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْهَا ، فَكَأَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ مِنْ أَيُّوبَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا .
قَوْلُهُ : ( عِنْدَ الْبَيْعَةِ ) أَيْ لَمَّا بَايَعَهُنَّ عَلَى الْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : ( فَمَا وَفَتْ ) أَيْ بِتَرْكِ النَّوْحِ . وَأُمُّ سُلَيْمٍ هِيَ بِنْتُ مِلْحَانَ وَالِدَةُ أَنَسٍ ، وَأُمُّ الْعَلَاءِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي ثَالِثِ بَابٍ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَوِ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ ، فَهُوَ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ : هَلِ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ هِيَ امْرَأَةُ مُعَاذٍ أَوْ غَيْرُهَا ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصَةَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِالشَّكِّ أَيْضًا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الرِّوَايَةَ بِوَاوِ الْعَطْفِ أَصَحُّ ، لِأَنَّ امْرَأَةَ مُعَاذٍ ، وَهُوَ ابْنُ جَبَلٍ ، هِيَ أُمُّ عَمْرِو بِنْتِ خَلَّادِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيَّةُ ، ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ ، فَعَلَى هَذَا فَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ غَيْرُهَا .
وَوَقَعَ فِي الدَّلَائِلِ لِأَبِي مُوسَى مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَأُمِّ مُعَاذٍ بَدَلَ قَوْلِهِ : وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَارِمٍ ، لَكِنْ لَفْظُهُ : أَوْ أُمُّ مُعَاذٍ بِنْتُ أَبِي سَبْرَةَ . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : فَمَا وَفَتْ غَيْرُ أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَأُمِّ كُلْثُومٍ ، وَامْرَأَةِ مُعَاذِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ . كَذَا فِيهِ ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الصَّحِيحِ : امْرَأَةُ مُعَاذٍ ، وَبِنْتُ أَبِي سَبْرَةَ .
وَلَعَلَّ بِنْتَ أَبِي سَبْرَةَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ كُلْثُومٍ ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أُمُّ مُعَاذٍ مَحْفُوظَةً ، فَلَعَلَّهَا أُمُّ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَهِيَ هِنْدُ بِنْتُ سَهْلٍ الْجُهَنِيَّةُ ، ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا ، وَعُرِفَ بِمَجْمُوعِ هَذا النِّسْوَةِ الْخَمْسِ ، وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ ، وَأُمُّ الْعَلَاءِ ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ ، وَأُمُّ عَمْرٍو وَهِنْدٌ - إِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةً - وَإِلَّا فَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ الْخَامِسَةَ هِيَ أُمُّ عَطِيَّةَ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ . ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِلَفْظِ : فَمَا وَفَتْ غَيْرِي ، وَغَيْرِ أُمِّ سُلَيْمٍ . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا .
ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يَرُدُّهُ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أُخِذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَنُوحَ . الْحَدِيثَ . فَزَادَ فِي آخِرِهِ : وَكَانَتْ لَا تَعُدُّ نَفْسَهَا ، لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحَرَّةِ لَمْ تَزَلِ النِّسَاءُ بِهَا حَتَّى قَامَتْ مَعَهُنَّ ، فَكَانَتْ لَا تَعُدُّ نَفْسَهَا لِذَلِكَ .
وَيُجْمَعُ بِأَنَّهَا تَرَكَتْ عَدَّ نَفْسِهَا مِنْ يَوْمِ الْحَرَّةِ . قُلْتُ : يَوْمُ الْحَرَّةِ قُتِلَ فِيهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ ، وَنُهِبَتِ الْمَدِينَةُ الشَّرِيفَةُ ، وَبُذِلَ فِيهَا السَّيْفُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ مِصْدَاقُ مَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ . وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنِّسْوَةِ الْمَذْكُورَاتِ ، قَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَمْ يَفِ مِمَّنْ بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَايَعَتْ فِيهِ النِّسْوَةُ إِلَّا الْمَذْكُورَاتِ ، لَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ النِّيَاحَةَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ غَيْرُ خَمْسَةٍ .
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .