حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيّ

حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ : كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ ، فَقَامَا ، فَقِيلَ لَهُمَا : إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَقَالَا : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ ، فَقَامَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ . فَقَالَ : أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟ 1313 - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ ، وَسَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَا : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى : كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ ، وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ .

قَوْلُهُ : ( فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ : عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى قَيْسٍ ، وَهُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَسَهْلٍ ، وَهُوَ ابْنُ حُنَيْفٍ ، وَمَنْ كَانَ حِينَئِذٍ مَعَهُمَا . قَوْلُهُ : ( مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ، أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ) كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ : ( أَيِ ) الَّتِي يُفَسَّرُ بِهَا ، وَهِيَ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ شَرَحَهُ بِلَفْظِ : ( أَوِ ) الَّتِي لِلشَّكِّ ، وَقَالَ : لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَقِيلَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ : أَهْلُ الْأَرْضِ ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ أَقَرُّوهُمْ عَلَى عَمَلِ الْأَرْضِ وَحَمْلِ الْخَرَاجِ . قَوْلُهُ : ( أَلَيْسَتْ نَفْسًا ) هَذَا لَا يُعَارِضُ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ حَيْثُ قَالَ : إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا .

عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ، فَقَالَ : إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ . وَنَحْوَهُ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَلِأَحْمَدَ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا : إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوسَ . وَلَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ : إِعْظَامًا لِلَّهِ الَّذِي يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ .

فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُنَافِي التَّعْلِيلَ السَّابِقَ ، لِأَنَّ الْقِيَامَ لِلْفَزَعِ مِنَ الْمَوْتِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَتَعْظِيمٌ لِلْقَائِمِينَ بِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَذِّيًا بِرِيحِ الْيَهُودِيِّ . زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ : فَآذَاهُ رِيحُ بَخُورِهَا . وَلِلطَّبَرَانِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ : كَرَاهِيَةَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ .

فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ الْأَخْبَارَ الْأُولَى الصَّحِيحَةَ ، أَمَّا أَوَّلًا ، فَلِأَنَّ أَسَانِيدَهَا لَا تُقَاوِمُ تِلْكَ فِي الصِّحَّةِ ، وَأَمَّا ثَانِيًا ، فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي ، وَالتَّعْلِيلُ الْمَاضِي صَرِيحٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَسْمَعِ التَّصْرِيحَ بِالتَّعْلِيلِ مِنْهُ فَعَلَّلَ بِاجْتِهَادِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَعَتْ جِنَازَةٌ ، فَلَمَّا رَآهَا قَامَ ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ حَتَّى بَعُدَتْ ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ شَأْنِهَا أَوْ مِنْ تَضَايُقِ الْمَكَانِ ، وَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيَامِهِ . وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ : أَلَيْسَتْ نَفْسًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ جِنَازَةٍ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَقَالَ : هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ قَامَ لِعِلَّةٍ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ .

انْتَهَى . وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لِلْجِنَازَةِ ، ثُمَّ قَعَدَ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ قَوْلَ عَلِيٍّ : ثُمَّ قَعَدَ .

أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ ، ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ - يَعْنِي فِي الْأَمْرِ - أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ . انْتَهَى . وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا : أَنْ يَجْلِسُوا ، ثُمَّ حَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ .

وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : قُعُودُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا ، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ . انْتَهَى .

وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ ، فَقَالَ : هَكَذَا نَفْعَلُ ، فَقَالَ : اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ .

قَالَ : وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي . انْتَهَى . وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ : هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا تَقْتضِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ مِنَ الِاشْتِرَاكِ ، وَلَكِنَّ الْقُعُودَ عِنْدَهُ أَوْلَى ، وَعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ : كَانَ قُعُودُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، فَمَنْ جَلَسَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ ، وَمَنْ قَامَ فَلَهُ أَجْرٌ .

وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ جَنَائِزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نَهَارًا غَيْرِ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ ، قَالَ : وَإِلْزَامُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُومِ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ اجْتِهَادًا مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ لِلْقِيَامِ تَبِعَهُ مَا عَدَاهُ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ ، فَلَمَّا تُرِكَ الْقِيَامُ مُنِعَ مِنَ الْإِظْهَارِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ ) هُوَ السُّكَّرِيُّ ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، وَلَفْظُهُ نَحْوُ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ : فَمَرَّتْ عَلَيْهِمَا جِنَازَةٌ فَقَامَا ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : بِالْقَادِسِيَّةِ .

وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سَهْلٍ وَقَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ . وَأَبُو مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ الْبَدْرِيُّ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ذَكَرَ قَيْسًا ، وَسَهْلًا مُفْرَدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا رَفَعَا لَهُ الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَيْسٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ لِكَوْنِ أَبِي مَسْعُودٍ لَمْ يَرْفَعْهُ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث8 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث