حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَة

بَاب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائز وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَمَّاهَا صَلَاةً ، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا ، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا ، وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ ، وَأَحَقُّهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ ، وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهمْ بِتَكْبِيرَةٍ .

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا . وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ . 1322 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ ، فَأَمَّنَا ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ، فَقُلْنَا : يَا أَبَا عَمْرٍو ، مَنْ حَدَّثَكَ ؟ قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .

قَوْلُهُ : ( بَابُ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ مَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، يَعْنِي فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَمُرَادُهُ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنَ الْآثَارِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّ لَهَا حُكْمَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ وَالشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ دُعَاءٍ ، فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَثَلًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا بَعْدَ بَابٍ ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَائِلِ الْحَوَالَةِ ، أَوَّلُهُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ ، فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ الْحَدِيثَ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( سَمَّاهَا صَلَاةً ) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ ، فَإِنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا ، وَيُكَبَّرُ فِيهَا وَيُسَلَّمُ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي إِلَّا طَاهِرًا ) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ عَلَى الْجِنَازَةِ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ .

قَوْلُهُ : ( وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَقُولُ : مَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا . ( تَنْبِيهٌ ) : مَا فِي قَوْلِهِ : ( مَا صُلِّيَتَا ) ظَرْفِيَّةٌ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ إِذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا . وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا إِذَا أُخِّرَتَا إِلَى وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حِينَئِذٍ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَيْضًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ : إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ - وَقَدْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِغَلَسٍ - : إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَيْهَا ، وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ .

فَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرَى اخْتِصَاصَ الْكَرَاهَةِ بِمَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَا مُطْلَقَ مَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَحِينَ تَغْرُبُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .

قَوْلُهُ : ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ) وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ إِلَخْ ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا ، وَقَوْلُهُ : مَنْ رَضُوهُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : مَنْ رَضُوهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ .

وَفَائِدَةُ أَثَرِ الْحَسَنِ هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ نُقِلَ عَنِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ ، وَهُوَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُلْحِقُونَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ بِالصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الْأَبُ ، ثُمَّ الِابْنُ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ - مِنْهُمْ سَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَطَاوُسٌ - أَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ أَحَقُّ . وَقَالَ عَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ وَآخَرُونَ : الْوَالِي أَحَقُّ مِنَ الْوَلِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ : الْوَلِيُّ أَحَقُّ مِنَ الْوَالِي .

قَوْلُهُ : ( وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجِنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مَعْطُوفًا عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةَ كَلَامِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا ، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ قَالَ : سُئِلَ الْحَسَنُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الْجِنَازَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، فَإِنْ ذَهَبَ يَتَوَضَّأَ تَفُوتُهُ ، قَالَ : يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي . وَعَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ حَفْصٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُصَلِّي إِلَّا عَلَى طُهْرٍ .

وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِي لَهَا التَّيَمُّمُ لِمَنْ خَافَ فَوَاتَهَا لَوْ تَشَاغَلَ بِالْوُضُوءِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَسَالِمٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ وَالْكُوفِيِّينَ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجِنَازَةِ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ ) وَجَدْتُ هَذَا الْأَثَرَ عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِي ، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا مُعَاذٌ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يَنْتَهِي إِلَى الْجِنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهَا ، قَالَ : يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ . وَالْمُخَالِفُ فِي هَذَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ .

وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ : وَفِي دُخُولِ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ أَوِ انْتِظَارِ التَّكْبِيرِ قَوْلَانِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَخْ ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ ، وَوَجَدْتُ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الصَّحَابِيِّ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ مَوْقُوفًا .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَنَسٌ : التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : قَالَ رُزَيْقُ بْنُ كَرِيمٍ ، لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : رَجُلٌ صَلَّى فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ؟ قَالَ أَنَسٌ : أَوَلَيْسَ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا ؟ قَالَ : يَا أَبَا حَمْزَةَ التَّكْبِيرُ أَرْبَعٌ . قَالَ : أَجَلْ ، غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَةً هِيَ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ) أَيْ : اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرْجَمَةِ .

وَقَوْلُهُ : ( وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ . قَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ : كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَالِكٍ ، فَإِنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ سَطْرًا وَاحِدًا ، قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ لِذَلِكَ وَجْهًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي اسْتِحْبَابِ الصُّفُوفِ .

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ : فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ وَغَيْرِهِ مَا مُحَصِّلُهُ : مُرَادُ هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ لَهَا وَاسْتِغْفَارٌ ، فَتَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، فَأَوَّلُ الْمُصَنِّفُ الرَّدَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً ، وَلَوْ كَانَ الْغَرَضُ الدُّعَاءُ وَحْدَهُ لَمَا أَخْرَجَهُمْ إِلَى الْبَقِيعِ ، وَلَدَعَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ مَعَهُ أَوِ التَّأْمِينُ عَلَى دُعَائِهِ ، وَلَمَا صَفَّهُمْ خَلْفَهُ كَمَا يَصْنَعُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَسْنُونَةِ ، وَكَذَا وُقُوفُهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَكْبِيرُهُ فِي افْتِتَاحِهَا وَتَسْلِيمُهُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْهَا كُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْأَبْدَانِ ، لَا عَلَى اللِّسَانِ وَحْدَهُ ، وَكَذَا امْتِنَاعُ الْكَلَامِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لِلْمَيِّتِ فَيَضِلَّ بِذَلِكَ . انْتَهَى .

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا إِلَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَهُوَ مِمَّنْ يُرْغَبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ . وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَفِي اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ - بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الْبَابَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً - لِمَطْلُوبِهِ مِنْ إِثباتِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ إِشْكَالٌ ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَسَّكَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عَارَضَهُ عَدَمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ عَارَضَتْهُ الشَّرَائِطُ الْمَذْكُورَةُ ، وَلَمْ يَسْتَوِ التَّبَادُرُ فِي الْإِطْلَاقِ فَيَدَّعِي الِاشْتِرَاكَ ؛ لِتَوَقُّفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَيْدِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ . انْتَهَى .

وَلَمْ يَسْتَدِلَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَطْلُوبِهِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا صَلَاةً ، بَلْ بِذَلِكَ وَبِمَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ جَمِيعِ الشَّرَائِطِ إِلَّا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِكْمَةِ فِي حَذْفِهِمَا مِنْهَا ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ جَوَازِ إِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ ، فَاسْتَدَلَّ تَارَةً بِإِطْلَاقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا ، وَتَارَةً بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ نَحْوَ عَدَمِ التَّكَلُّمِ فِيهَا ، وَكَوْنِهَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةً بِالتَّسْلِيمِ ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ ، وَعَدَمِ أَدَائِهَا عِنْدَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ ، وَبِرَفْعِ الْيَدِ وَإِثْبَاتِ الْأَحَقِّيَّةِ بِالْإِمَامَةِ ، وَبِوُجُوبِ طَلَبِ الْمَاءِ لَهَا ، وَبِكَوْنِهَا ذَاتَ صُفُوفٍ وإِمَامٍ .

قَالَ : وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ ذَاتِ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهِمَا ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَحْثَ ابْنِ رَشِيدٍ أَقْوَى ، وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ حَاصِلٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ بِدُونِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ ، بَلْ بِإِثْبَاتِ مَا مَرَّ مِنْ خَصَائِصِهَا كَمَا تَقَدَّمَ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث