بَاب مَنْ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ
بَاب مَنْ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ 1325 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ . قِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ ؟ قَالَ : مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ مَنْ ؛ إِمَّا اسْتِغْنَاءً بِمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ ؛ أَوْ تَوَقُّفًا عَلَى إِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِظَارِ إِنْ خَلَا عَنِ اتِّبَاعٍ . قَالَ : وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ الشُّهُودِ كَمَا هُوَ فِي الْخَبَرِ إِلَى لَفْظِ الِانْتِظَارِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الشُّهُودِ إِنَّمَا هُوَ مُعَاضَدَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالتَّصَدِّي لِمَعُونَتِهِمْ ، وَذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمُعْتَبَرَةِ . انْتَهَى .
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ اخْتَارَ لَفْظَ الِانْتِظَارِ لِكَوْنِهِ أَعَمَّ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ ، فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً . وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الِانْتِظَارِ ؛ لِيُفَسِّرَ اللَّفْظَ الْوَارِدَ بِالْمُشَاهَدَةِ بِهِ ، وَلَفْظُ الِانْتِظَارِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ سَاقَ الْبُخَارِيُّ سَنَدَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهَا . وَوَقَعَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) يَعْنِي أَبَا سَعِيدٍ كَيْسَانَ الْمَقْبُرِيَّ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ . قُلْتُ : وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ .
وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، نَعَمْ سَقَطَ قَوْلُهُ : عَنْ أَبِيهِ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبِي مَعْشَرٍ عِنْدَ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ : مَا يَنْبَغِي فِي الْجِنَازَةِ ؟ فَقَالَ : سَأُخْبِرُكَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ مِثْلُ أُحُدٍ ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ . : قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ ؛ أَيْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ بِكَذَا .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى يُصَلَّى ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ عَلَيْهِ وَاللَّامُ لِلْأَكْثَرِ مَفْتُوحَةٌ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِكَسْرِهَا ، وَرِوَايَةُ الْفَتْحِ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ حُصُولَ الْقِيرَاطِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ الصَّلَاةِ مِنَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّائِغِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ : حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا . وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ابْتِدَاءَ الْحُضُورِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ حَيْثُ قَالَ : مِنْ أَهْلِهَا . وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا .
وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : فَمَشَى مَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا . وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقِيرَاطَ يَخْتَصُّ بِمَنْ حَضَرَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْقِيرَاطَ يَحْصُلُ أَيْضًا لِمَنْ صَلَّى فَقَطْ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا ، لَكِنْ يَكُونُ قِيرَاطُ مَنْ صَلَّى فَقَطْ دُونَ قِيرَاطِ مَنْ شَيَّعَ مَثَلًا وَصَلَّى .
وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَرَارِيطَ تَتَفَاوَتُ . وَوَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ .
وَفِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : وَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتْبَعْ فَلَهُ قِيرَاطٌ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُحَصِّلُ الْقِيرَاطَ ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ اتِّبَاعٌ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الِاتِّبَاعُ هُنَا عَلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَهَلْ يَأْتِي نَظِيرُ هَذَا فِي قِيرَاطِ الدَّفْنِ ؟ فِيهِ بَحْثٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ : مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ .
الْحَدِيثَ . وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ لِمَنْ كَانَ مَعَهَا فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ حَتَّى تُدْفَنَ ، فَإِنْ صَلَّى مَثَلًا وَذَهَبَ إِلَى الْقَبْرِ وَحْدَهُ فَحَضَرَ الدَّفْنَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ . انْتَهَى .
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ ، فَإِنْ وَرَدَ مَنْطُوقٌ بِحُصُولِ الْقِيرَاطِ لِشُهُودِ الدَّفْنِ وَحْدَهُ كَانَ مُقَدَّمًا . وَيُجْمَعُ حِينَئِذٍ بِتَفَاوُتِ الْقِيرَاطِ ، وَالَّذِينَ أَبَوْا ذَلِكَ جَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ ، نَعَمْ مُقْتَضَى جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى التَّشْيِيعِ فَلَمْ يُصَلِّ ، وَلَمْ يَشْهَدِ الدَّفْنَ فَلَا قِيرَاطَ لَهُ إِلَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ ، لَكِنِ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ عَنِ الْبَرَاءِ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ . وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ ، لِأَنَّ تَرَتُّبَ الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ النِّيَّةِ فِيهِ فَيَخْرُجُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُكَافَأَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمُحَابَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَمَنْ شَهِدَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا وَمَنْ شَهِدَهَا . قَوْلُهُ : ( فَلَهُ قِيرَاطَانِ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا غَيْرُ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَحَكَاهُ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ ، ولَكِنْ سِيَاقُ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ يَأْبَى ذَلِكَ ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الصَّلَاةِ وَمِنَ الدَّفْنِ قِيرَاطَانِ فَقَطْ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ قِيرَاطٌ . وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِمَعْنَاهُ ، وَنَحْوُهُ رِوَايَةُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمَجْمُوعَ قِيرَاطَانِ ، وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَلَى هَذَا كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ ؛ أَيْ بِالْأَوَّلِ ، وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ : مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ . أَيْ بِانْضِمَامِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُدْفَنَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حُصُولَ الْقِيرَاطِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَرَاغِ الدَّفْنِ ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقِيلَ : يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ فِي اللَّحْدِ ، وَقِيلَ : عِنْدَ انْتِهَاءِ الدَّفْنِ قَبْلَ إِهَالَةِ التُّرَابِ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِكُلِّ ذَلِكَ ، وَيَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ لِلزِّيَادَةِ ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا .
وَفِي الْأُخْرَى : حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ . وَكَذَا عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ : حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ : حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُزَاحِمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : حَتَّى يُقْضَى قَضَاؤُهَا . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : حَتَّى يُقْضَى دَفْنُهَا . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عِيَاضٍ ، عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ : حَتَّى يُسَوَّى عَلَيْهَا ؛ أَيِ التُّرَابُ .
وَهِيَ أَصْرَحُ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ . وَيَحْتَمِلُ حُصُولُ الْقِيرَاطِ بِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنْ يَتَفَاوَتُ الْقِيرَاطُ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( قِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ ) لَمْ يُعَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْقَائِلَ وَلَا الْمَقُولَ لَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَ الثَّانِي مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ هَذِهِ ، فَقَالَ : قِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ وَعِنْدَهُ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقِيرَاطِ .
وَبَيَّنَ الْقَائِلُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُزَاحِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ : قُلْتُ : وَمَا الْقِيرَاطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ . وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا حَازِمٍ أَيْضًا سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ ) سَبَقَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِ : مِثْلُ أُحُدٍ .
وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : الْقِيرَاطُ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ . وَكَذَا فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْبَرَاءِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ . وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ : فَلَهُ قِيرَاطَانِ مِنَ الْأَجْرِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ .
وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ . وَفِي رِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : الْقِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ هَذَا . كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْجَبَلِ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ .
وَفِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ : كُتِبَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ ، أَخَفُّهُمَا فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ . فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بَيَانَ وَجْهِ التَّمْثِيلِ بِجَبَلِ أُحُدٍ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زِنَةُ الثَّوَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ . وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ : التَّرْغِيبُ فِي شُهُودِ الْمَيِّتِ ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ ، وَالْحَضُّ عَلَى الِاجْتِمَاعِ لَهُ ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِ اللَّهِ وَتَكْرِيمِهِ لِلْمُسْلِمِ فِي تَكْثِيرِ الثَّوَابِ لِمَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَفِيهِ تَقْدِيرُ الْأَعْمَالِ بِنِسْبَةِ الْأَوْزَانِ ، إِمَّا تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ ، وَإِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .