حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْد

بَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ وَسُمِّيَ اللَّحْدَ ؛ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ . مُلْتَحَدًا مَعْدِلًا ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا 1347 - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعيدٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ . وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ .

1348 - وَأَخْبَرَنَا ، الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ : أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ . وَقَالَ جَابِرٌ : فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ ) أَيْ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَهَذَا نَظِيرُ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ . قَوْلُهُ : ( وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : أَصْلُ الْإِلْحَادِ الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَقِيلَ لِلْمَائِلِ عَنِ الدِّينِ : مُلْحِدٌ ، وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ شَقٌّ يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ ، فَيَمِيلُ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ بِحَيْثُ يَسَعُ الْمَيِّتَ فَيُوضَعُ فِيهِ وَيُطْبَقُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ : وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا لَكَانَ ضَرِيحًا .

فَلِأَنَّ الضَّرِيحَ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ عَلَى الِاسْتِوَاءِ وَيُدْفَنُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( مُلْتَحَدًا : مَعْدِلًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْمَجَازِ . قَالَ : قَوْلُهُ مُلْتَحَدًا ، أَيْ مَعْدِلًا .

وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ : وَلَنْ تَجِدْ مِنْ دُونِهِ مَعْدِلًا تَعْدِلُ إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ ، لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ . قَالَ : وَالْمُلْتَحَدُ مُفْتَعَلٌ مِنَ اللَّحْدِ ، يُقَالُ مِنْهُ : لَحِدْتُ إِلَى كَذَا إِذَا مِلْتَ إِلَيْهِ . انْتَهَى .

وَيُقَالُ : لَحِدْتُهُ وَأَلْحَدْتُهُ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : الرُّبَاعِيُّ أَجْوَدُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الثُّلَاثِيُّ أَكْثَرُ . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ دَفْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَرْسَلُوا إِلَى الشَّقَّاقِ وَاللَّاحِدِ ، الْحَدِيثَ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .

ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنِ اللَّيْثِ مُتَّصِلًا ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مُنْقَطِعًا ، لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ . زَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ : زَمِّلُوهُمْ بِجِرَاحِهِمْ ، فَإِنِّي أَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسِيلُ دَمًا . الْحَدِيثَ .

قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ( فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ ) هِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ : بُرْدَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ مُخَطَّطَةٌ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : هِيَ دُرَّاعَةٌ فِيهَا لَوْنَانِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ ، وَيُقَالُ لِلسَّحَابَةِ إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ : نَمِرَةٌ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي وَابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمَا كُفِّنَا فِي نَمِرَتَيْنِ ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّ النَّمِرَةَ الْوَاحِدَةَ شُقَّتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ . وَالرَّجُلُ الَّذِي كُفِّنَ مَعَهُ فِي النَّمِرَةِ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دُفِنَ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بَعْدَ بَابٍ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ إِلَخْ ) هُوَ مَوْصُولٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ إِبْهَامُ شَيْخِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ بَابَيْنِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي التَّتَبُّعِ : اضْطَرَبَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الِاضْطِرَابِ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى الثِّقَاتِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ ، وَأَمَّا إِبْهَامُ سُلَيْمَانَ لِشَيْخِ الزُّهْرِيُّ وَحَذْفُ الْأَوْزَاعِيِّ لَهُ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَنْ سَمَّاهُ ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ لِمَنْ ضَبَطَ وَزَادَ إِذَا كَانَ ثِقَةً ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أُسَامَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَا تَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ لِضَعْفِهِمَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَرَّحَ بِغَلَطِ أُسَامَةَ فِيهِ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمَغَازِي ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْفَضْلِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث