بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْر
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ ، سَمِعْتُ الْأَشْعَثَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ ، فَقَالَتْ لَهَا : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ : نَعَمْ ، عَذَابُ الْقَبْرِ . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . زَادَ غُنْدَرٌ : عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ .
رَابِعُ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّةِ : قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ الْأَشْعَثَ ) هُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ سَلِيمُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْمُحَارِبِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايِةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَشْعَثَ : سَمِعْتُ أَبِي . قَوْلُهُ : ( أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا ، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ : دَخَلَتْ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَتَا : إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ .
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا تَكَلَّمَتْ وَأَقَرَّتْهَا الْأُخْرَى عَلَى ذَلِكَ فَنَسَبَتِ الْقَوْلَ إِلَيْهِمَا مَجَازًا ، وَالْإِفْرَادُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَكَلِّمَةِ . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ : فَكَذَبْتُهُمَا وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَهِيَ تَقُولُ : هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ؟ قَالَتْ : فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ .
قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالَفَةٌ ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ ، وَفِي الْأُولَى أَنَّهُ أَقَرَّهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ : هُمَا قِصَّتَانِ ، فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ الْيَهُودِيَّةِ فِي الْقِصَّةِ الْأُولَى ، ثُمَّ أُعْلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُعْلِمْ عَائِشَةَ ، فَجَاءَتِ الْيَهُودِيَّةُ مَرَّةً أُخْرَى فَذَكَرَتْ لَهَا ذَلِكَ ، فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا مُسْتَنِدَةً إِلَى الْإِنْكَارِ الْأَوَّلِ ، فَأَعْلَمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْوَحْيَ نَزَلَ بِإِثْبَاتِهِ .
انْتَهَى . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ سِرًّا ، فَلَمَّا رَأَى اسْتِغْرَابَ عَائِشَةَ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ أَعْلَنَ بِهِ . انْتَهَى .
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْكُسُوفِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلَهَا ، فَقَالَتْ لَهَا : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ رَكِبَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ .
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . وَفِي هَذَا مُوَافَقَةٌ لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِذَلِكَ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا ، فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ : وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ .
قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ ؟ قَالَ : كَذَبَتْ يَهُودُ ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ؛ فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ . وَفِي هَذَا كُلُّهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَلِمَ بِحُكْمِ عَذَابِ الْقَبْرِ إِذْ هُوَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ ، كَمَا تَقَدَّمَ تَارِيخُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي مَوْضِعِهِ .
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الْأُخْرَى الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَالْجَوَابُ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ إِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْأُولَى بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْإِيمَانِ ، وَكَذَلِكَ بِالْمَنْطُوقِ فِي الْأُخْرَى فِي حَقِّ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَإِنِ الْتَحَقَ بِهِمْ مَنْ كَانَ لَهُ حُكْمُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ، فَالَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ وُقُوعُ عَذَابِ الْقَبْرِ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ ، ثُمَّ أُعْلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ اللَّهُ مِنْهُمْ ، فَجَزَمَ بِهِ ، وَحَذَّرَ مِنْهُ ، وَبَالَغَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ وَإِرْشَادًا ، فَانْتَفَى التَّعَارُضُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى . وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ لَيْسَ بِخَاصٍّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ ، فَفِيهَا اخْتِلَافٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ آخِرَ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : حَقٌّ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ عَقِبَ هَذِهِ الطَّرِيقِ : زَادَ غُنْدَرٌ : عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ لَفْظَ : حَقٌّ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ عَبْدَانَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ .
وَقَدْ أَخْرَجَ طَرِيقَ غُنْدَرٍ ، النَّسَائِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ قَوْلُهُ : زَادَ غُنْدَرٌ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غَلَطٌ .