بَاب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَة وبَاب لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّب
بَاب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى - إِلَى قَوْلِهِ - : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا صَلْدًا : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابِلٌ : مَطَرٌ شَدِيدٌ ، وَالطَّلُّ : النَّدَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إِبْطَالَ الرِّيَاءِ لِلصَّدَقَةِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا تَمَحَّضَ مِنْهَا لِحُبِّ الْمَحْمَدَةِ وَالثَّنَاءِ مِنَ الْخَلْقِ ، بِحَيْثُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا . قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى - إِلَى قَوْلِهِ - : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَبَّهَ مُقَارَنَةَ الْمَنِّ وَالْأَذَى لِلصَّدَقَةِ أَوِ اتِّبَاعِهَا بِذَلِكَ بِإِنْفَاقِ الْكَافِرِ الْمُرَائِي الَّذِي لَا يَجِدُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ ، وَمُقَارَنَةُ الرِّيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِصَدَقَتِهِ أَقْبَحُ مِنْ مُقَارَنَةِ الْإِيذَاءِ ، وَأَوْلَى أَنْ يُشَبَّهَ بِإِنْفَاقِ الْكَافِرِ الْمُرَائِي فِي إِبْطَالِ إِنْفَاقِهِ اهـ .
وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الْآيَةِ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ أَخْفَى مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ ، لِأَنَّ الْخَفِيَّ رُبَّمَا شُبِّهَ بِالظَّاهِرِ لِيَخْرُجَ مِنْ حَيِّزِ الْخَفَاءِ إِلَى الظُّهُورِ . وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ رِيَاءً مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرًا فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ شُبِّهَ بِهِ الْإِبْطَالُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ، أَيْ حَالَةُ هَؤُلَاءِ فِي الْإِبْطَالِ كَحَالَةِ هَؤُلَاءِ ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَاعَى حَالُ التَّفْصِيلِ أَيْضًا لِأَنَّ حَالَ الْمَانِّ شَبِيهٌ بِحَالِ الْمُرَائِي ، لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللَّهِ ، وَحَالُ الْمُؤْذِي يُشْبِهُ حَالَ الْفَاقِدِ لِلْإِيمَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ لِلْمُؤْذِي نَاصِرًا يَنْصُرُهُ لَمْ يُؤْذِهِ ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ حَالَةَ الْمُرَائِي أَشَدُّ مِنْ حَالَةِ الْمَانِّ وَالْمُؤْذِي . انْتَهَى .
وَيَتَلَخَّصُ أَنْ يُقَالَ : لَمَّا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ ، وَإِبْطَالُ الصَّدَقَةِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى قَدْ شُبِّهَ بِإِبْطَالِهَا بِالرِّيَاءِ فِيهَا كَانَ أَمْرُ الرِّيَاءِ أَشَدَّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : صَلْدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا فِي قَوْلِهِ : فَتَرَكَهُ صَلْدًا أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ : لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا يَوْمَئِذٍ كَمَا تَرَكَ هَذَا الْمَطَرُ الصَّفَا نَقِيًّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عِكْرِمَةُ : وَابِلٌ مَطَرٌ شَدِيدٌ ، وَالطَّلُّ النَّدَى ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بِنِ غِيَاثٍ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَابِلٌ ، قَالَ : مَطَرٌ شَدِيدٌ ، وَالطَّلُّ : النَّدَى . 7 - بَاب لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَاقِيهِ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . وَأَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي كَامِلٍ أَحَدِ مَشَايِخِ مُسْلِمٍ فِيهِ بِلَفْظِ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إِلَّا بِطُهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ .
وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ، وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ) هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، الْآتِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِهِ : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى - إِلَى قَوْلِهِ - : حَلِيمٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْجَلِيِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَمَّا تَبِعَتْهَا سَيِّئَةُ الْأَذَى بَطَلَتْ ، وَالْغُلُولُ أَذًى إِنْ قَارَنَ الصَّدَقَةَ أَبْطَلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، أَوْ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَعْصِيَةَ اللَّاحِقَةَ لِلطَّاعَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِهَا تُبْطِلُ الطَّاعَةَ ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ بِعَيْنِ الْمَعْصِيَةِ ، لِأَنَّ الْغَالَّ فِي دَفْعِهِ الْمَالَ إِلَى الْفَقِيرِ غَاصِبٌ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ، فَكَيْفَ تَقَعُ الْمَعْصِيَةُ طَاعَةً مُعْتَبَرَةً وَقَدْ أَبْطَلَتِ الْمَعْصِيَةُ الطَّاعَةَ الْمُحَقَّقَةَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهَا ؟ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَذَى أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَصَدِّقِ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَوِ إِيذَائِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْغُلُولِ ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَقَدْ لَا يُسَلَّمُ هَذَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ لِبُعْدِهِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَى فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ لِلسَّائِلِ ، فَإِنَّهُ عُطِفَ عَلَى الْمَنِّ وَجُمِعَ مَعَهُ بِالْوَاوِ .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ بِهِ غُلُولٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ نَحْوُهُ تَأَذَّى بِذَلِكَ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ ، كَمَا قَاءَ أَبُو بَكْرٍ اللَّبَنَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ طَيِّبٍ ، وَقَدْ صَدَقَ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ أَنَّهُ مُؤْذٍ لَهُ بِتَعْرِيضِهِ لِكُلِّ مَا لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَسَّرَهُ بِالرَّدِّ الْجَمِيلِ ، وَقَوْلِهِ : وَمَغْفِرَةٌ أَيْ : عَفْوٌ عَنِ السَّائِلِ إِذَا وَجَدَ مِنْهُ مَا يَثْقُلُ عَلَى الْمَسْئُولِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الْجَمِيلِ ، وَقِيلَ : عَفْوٌ مِنْ جِهَةِ السَّائِلِ أَيْ مَعْذِرَةٌ مِنْهُ لِلْمَسْئُولِ لِكَوْنِهِ رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا . وَالثَّانِي أَظْهَرُ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحْبُطُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى بَعْدَ أَنْ تَقَعَ سَالِمَةً ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّ قَبُولَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى سَلَامَتِهَا مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ عُدِمَ الشَّرْطُ فَعُدِمَ الْمَشْرُوطُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِبْطَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهَانِ ) : الْأَوَّلُ دَلَّ قَوْلُهُ : لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ أَنَّ الْغَالَّ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ إِلَّا بِرَدِّ الْغُلُولِ إِلَى أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ إِذَا جَهِلَهُمْ مَثَلًا ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْغَانِمِينَ ، فَلَوْ جُهِلَتْ أَعْيَانُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ . الثَّانِي : وَقَعَ هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَابْنِ شَبُّوَيْهِ