حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيح

بَاب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ : وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية . وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ الآية . 1419 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ : أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ : لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ، وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الْآيَةَ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ فَضْلُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَعَلَى الثَّانِي كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي إِطْلَاقِ أَفْضَلِيَّةِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَأَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُلَخَّصُهُ : مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّسْوِيفِ بِالْإِنْفَاقِ اسْتِبْعَادًا لِحُلُولِ الْأَجَلِ وَاشْتِغَالًا بِطُولِ الْأَمَلِ ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ هُجُومِ الْمَنِيَّةِ وَفَوَاتِ الْأُمْنِيَةِ . وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ فَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ انْقِطَاعِ أَمَلِهِ مِنَ الْحَيَاةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي آخِرِهِ بِقَوْلِهِ : وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وَلَمَّا كَانَتْ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ مَانِعِ الشُّحِّ دَالًّا عَلَى صِحَّةِ الْقَصْدِ وَقُوَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْقُرْبَةِ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الشُّحِّ هُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَقْدِيمُ آيَةِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى آيَةِ الْبَقَرَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْعَكْسِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا ذَرٍّ ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ، لَكِنَّ فِي الْجَوَابِ : جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ ، أَوْ سَرٍّ إِلَى فَقِيرٍ ، وَكَذَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ فَأُجِيبُ .

قَوْلُهُ : ( أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا ) فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ . قَوْلُهُ : ( أَنْ تَصَّدَّقَ ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَأَصْلُهُ تَتَصَدَّقَ ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ) فِي الْوَصَايَا : وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ .

قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى : الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : الشُّحُّ مُثَلَّثُ الشِّينِ وَالضَّمُّ أَعْلَى . وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ : كَأَنَّ الْفَتْحَ فِي الْمَصْدَرِ وَالضَّمَّ فِي الِاسْمِ .

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ الْمَرَضَ يُقَصِّرُ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ بَعْضِ مِلْكِهِ ، وَأَنَّ سَخَاوَتَهُ بِالْمَالِ فِي مَرَضِهِ لَا تَمْحُو عَنْهُ سِيمَةَ الْبُخْلِ ، فَلِذَلِكَ شَرَطَ صِحَّةَ الْبَدَنِ فِي الشُّحِّ بِالْمَالِ ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالَتَيْنِ يَجِدُ لِلْمَالِ وَقْعًا فِي قَلْبِهِ لِمَا يَأْمُلُهُ مِنَ الْبَقَاءِ فَيَحْذَرُ مَعَهُ الْفَقْرَ ، وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُوصِي وَالثَّالِثُ لِلْوَارِثِ ، لِأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَبْطَلَهُ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ لِلْمُوصِي أَيْضًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا يَشَاءُ ، فَلِذَلِكَ نَقَصَ ثَوَابُهُ عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : لَمَّا كَانَ الشُّحُّ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ فَالسَّمَاحُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ أَصْدَقُ فِي النِّيَّةِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، بِخِلَافِ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ ، وَرَأَى مَصِيرَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ .

قَوْلُهُ : ( وَتَأْمُلُ ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ : تَطْمَعُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا بَلَغَتْ ) أَيِ : الرُّوحُ ، وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَهُ ، إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ . وَلَمْ يَجْرِ لِلرُّوحِ ذِكْرٌ اغْتِنَاءً بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ .

وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث