بَاب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ . حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدَةَ ، وَقَالَ : لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ . ثَالِثَهَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكَ .
كَذَا عِنْدَهُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْفَاعِلَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : لَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّهُ عَلَيْكَ . فَأَبْرَزَ الْفَاعِلَ ، وَكِلَاهُمَا بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ جَوَابَ النَّهْيِ وَبِالْفَاءِ . قَوْلُهُ : ( عَبْدَةَ ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ ، وَفَاطِمَةُ هِيَ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَهِيَ زَوْجُ هِشَامٍ ، وَأَسْمَاءُ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا .
وَقَوْلُهُ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ، عَنْ عَبْدَةَ أَيْ : بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ كَانَ عِنْدَ عَبْدَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِاللَّفْظَيْنِ ، فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِاللَّفْظَيْنِ مَعًا ، وَسَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامٍ بِاللَّفْظَيْنِ ، لَكِنْ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْكَافَ ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، يُقَالُ : أَوْعَيْتُ الْمَتَاعَ فِي الْوِعَاءِ أُوعِيهِ ؛ إِذَا جَعَلْتُهُ فِيهِ ، وَوَعَيْتُ الشَّيْءَ حَفِظْتُهُ ، وَإِسْنَادُ الْوَعْيِ إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ ، وَالْإِيكَاءُ شَدُّ رَأْسِ الْوِعَاءِ بِالْوِكَاءِ ، وَهُوَ الرِّبَاطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ ، وَالْإِحْصَاءُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشَّيْءِ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ ، وَالْمَعْنَى النَّهْيُ عَنْ مَنْعِ الصَّدَقَةِ خَشْيَةَ النَّفَاذِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ لِقَطْعِ مَادَّةِ الْبَرَكَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى الْعَطَاءِ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَمَنْ لَا يُحَاسَبُ عِنْدَ الْجَزَاءِ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَطَاءِ ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فَحَقُّهُ أَنْ يُعْطِيَ وَلَا يَحْسِبَ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْإِحْصَاءِ عَدُّ الشَّيْءِ لِأَنْ يُدَّخَرَ وَلَا يُنْفَقَ مِنْهُ ، وَأَحْصَاهُ اللَّهُ : قَطَعَ الْبَرَكَةَ عَنْهُ ، أَوْ حَبَسَ مَادَّةَ الرِّزْقِ أَوِ الْمُحَاسَبَةَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : قَدْ تَخْفَى مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ أَسْمَاءَ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، وَلَيْسَ بِخَافٍ عَلَى الْفَطِنِ مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْرِيضِ وَالشَّفَاعَةِ مَعًا ، فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي خَتْمِ الْبَابِ بِهِ .