حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَكَمْ الْغِنَى

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَكَمْ الْغِنَى وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ 1476 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأُكْلَةَ وَالْأُكْلَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَكَمِ الْغِنَى ؟ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا الْآيَةَ ) هَذِهِ اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : لِقَوْلِ اللَّهِ لَامُ التَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ الْآيَةَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ : وَكَمِ الْغِنَى ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ : وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ مُبَيِّنٌ لِقَدْرِ الْغِنَى ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّدَقَةَ لِلْفُقَرَاءِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، أَيْ : مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِهَا فَهُوَ غَنِيٌّ ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ شَرْطَ السُّؤَالِ عَدَمُ وِجْدَانِ الْغِنَى لِوَصْفِ اللَّهِ الْفُقَرَاءَ بِقَوْلِهِ : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ إِذْ مَنِ اسْتَطَاعَ ضَرْبًا فِيهَا فَهُوَ وَاجِدٌ لِنَوْعٍ مِنَ الْغِنَى ، وَالْمُرَادُ بِالَّذِينِ أَحُصِرُوا الَّذِينَ حَصَرَهُمُ الْجِهَادُ ، أَيْ : مَنَعَهُمُ الِاشْتِغَالُ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ - أَيْ : التِّجَارَةِ - لِاشْتِغَالِهِمْ بِهِ عَنِ التَّكَسُّبِ ، قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : كُلُّ مُحِيطٍ يَحْصُرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الصَّادِ ، وَالْأَعْذَارُ الْمَانِعَةُ تُحْصِرُ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ : تَجْعَلُ الْمَرْءَ كَالْمُحَاطِ بِهِ ، وَلِلْفُقَرَاءِ : يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْإِنْفَاقُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ . انْتَهَى .

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّرْجَمَةِ : وَكَمِ الْغِنَى فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَدِيثًا صَرِيحًا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَفَادَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ . فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ كَانَ غَنِيًّا . وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا : مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا يُغْنِيهِ ؟ قَالَ : خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ وَفِي إِسْنَادِهِ حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَحَدَّثَ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَكِيمٍ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ شُعْبَةَ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ ، قَالَ : لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ زُبَيْدٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ يَعْنِي شَيْخَ حَكِيمٍ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي عِلَلِ الْخَلَّالِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ زُبَيْدٍ مَوْقُوفَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَرِيبًا مِنْ عِنْدِ النَّسَائِيِّ فِي بَابِ الِاسْتِعْفَافِ وَفِيهِ : مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ أَلْحَفَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ : فَهُوَ مُلْحِفٌ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ : فَهُوَ الْمُلْحِفُ ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ لَهُ صُحْبَةٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ قَالَ فِيهِ : مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا .

أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا يُغْنِيهِ ؟ قَالَ : قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا كَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . قَالَ : وَوَسَّعَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا : إِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .

انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ غَنِيًّا بِالدِّرْهَمِ مَعَ الْكَسْبِ ، وَلَا يُغْنِيهِ الْأَلْفُ مَعَ ضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ أُخْرَى : أَحَدُهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنَّ الْغَنِيَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَعْثِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ : تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ .

فَوَصَفَ مَنْ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهُ بِالْغِنَى ، وَقَدْ قَالَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ . ثَانِيهَا : أَنَّ حَدَّهُ مَنْ وَجَدَ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ ، عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ، حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : وَجْهُهُ مَنْ لَا يَجِدُ غَدَاءً وَلَا عَشَاءً عَلَى دَائِمِ الْأَوْقَاتِ . ثَالِثُهَا : أَنَّ حَدَّهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ : ( لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَنَّ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ هَذَا الْقَدْرُ فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا .

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ الْمِسْكِينِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، وَالْمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِنَ السُّكُونِ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ : فَكَأَنَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ سَكَنَتْ حَرَكَاتُهُ ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى : ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ أَيْ : لَاصِقٌ بِالتُّرَابِ . قَوْلُهُ : ( الْأُكْلَةُ وَالْأُكْلَتَانِ ) بِالضَّمِّ فِيهِمَا ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ : اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ . وَزَادَ فِيهِ : الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ .

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ : اللُّقْمَةُ ، وَبِالْفَتْحِ : الْمَرَّةُ مِنَ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ . قَوْلُهُ : ( لَيْسَ لَهُ غِنًى ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ غِنًى يُغْنِيهِ ، وَهَذِهِ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْيَسَارِ الْمَنْفِيِّ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْيَسَارِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْنَى بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ ، وَكَأَنَّ الْمَعْنَى نَفْيُ الْيَسَارِ الْمُقَيَّدِ بِأَنَّهُ يُغْنِيهِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الْيَسَارِ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قَوْلُهُ : ( وَيَسْتَحِي ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ : وَلَا يَفْطَنُ بِهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَهُ فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ .

وَهُوَ بِنَصْبِ يَتَصَدَّقَ وَيَسْأَلَ ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ : لَيْسَ لَهُ غِنًى . وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ : إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ - يَعْنِي - قَوْلَهُ : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا كَذَا وَقَعَ فِيهِ بِزِيَادَةِ يَعْنِي ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِهَا ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ بِزِيَادَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ .

ورد في أحاديث12 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث