بَاب خَرْصِ الثَّمَر
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ : حَدَّثَنِي عَمْرٌو ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ . وَقَالَ سُلَيْمَانُ : عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو ) يَعْنِي ابْنُ يَحْيَى بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ مَوْصُولَةٌ فِي فضَائِلِ الْأَنْصَارِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُلَيْمَانُ ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ الْمَذْكُورُ ، وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَبَّاسٌ هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهِيَ مَوْصُولَةٌ فِي فَوَائِدِ عَلِيِّ بْنِ خُزَيْمَةَ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَيْ : ابْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَذَكَرَهُ ، وَأَوَّلُهُ : أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذَ طَرِيقَ غُرَابٍ ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَتَرَكَ الْأُخْرَى . فَسَاقَ الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَهُ ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ بَيَانُ قَوْلِهِ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَمَنْ أَحَبَّ فَلْيَتَعَجَّلْ مَعِيَ .
أَيْ إِنِّي سَالِكٌ الطَّرِيقَ الْقَرِيبَةَ فَمَنْ أَرَادَ فَلْيَأْتِ مَعِيَ ، يَعْنِي مِمَّنْ لَهُ اقْتِدَارٌ عَلَى ذَلِكَ دُونَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ . وَظَهَرَ أَنَّ عُمَارَةَ بْنَ غَزِيَّةَ خَالَفَ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ عَمْرٌو : عَنْ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ، وَقَالَ عُمَارَةُ : عَنْ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْجَمْعِ بِأَنْ يَكُونَ عَبَّاسٌ أَخَذَ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ - وَهُوَ : أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ - عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ مَعًا ، أَوْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا مَعًا ، أَوْ كُلُّهُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَمُعْظَمُهُ عَنْ أَبِيهِ ، وَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَا يَجْمَعُهُمَا . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ : عَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ عَبَّاسٌ ، عَنْ سَهْلٍ .
فَتَرَدَّدَ فِيهِ : هَلْ هُوَ مُرْسَلٌ ، أَوْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ عُمَارَةَ ، لَكِنَّ سِيَاقَ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى أَتَمُّ مِنْ سِيَاقِ غَيْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْخَرْصِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ أَوَّلَ الْبَابِ ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ : هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ ، فَحَكَى الصَّيْمَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا بِوُجُوبِهِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هُوَ مُسْتَحَبٌّ إِلَّا إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِمَحْجُورٍ مَثَلًا ، أَوْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ غَيْرَ مُؤْتَمَنِينَ فَيَجِبُ لِحِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا : هَلْ يَخْتَصُّ بِالنَّخْلِ أَوْ يُلْحَقُ بِهِ الْعِنَبُ أَوْ يَعُمُّ كُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ رَطِبًا وَجَافًّا ؟ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَالثَّانِي قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَإِلَى الثَّالِثِ نَحَا الْبُخَارِيُّ . وَهَلْ يَمْضِي قَوْلُ الْخَارِصِ أَوْ يَرْجِعُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ بَعْدَ الْجَفَافِ ؟ الْأَوَّلُ : قَوْلُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ ، وَالثَّانِي : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ .
وَهَلْ يَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ عَارِفٌ ثِقَةٌ أَوْ لَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا : هَلْ هُوَ اعْتِبَارٌ أَوْ تَضْمِينٌ ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي ، وَفَائِدَتُهُ جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الثَّمَرَةِ وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ الْخَرْصِ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ مَا خَرَصَ . وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ كَالْإِخْبَارِ عَنِ الرِّيحِ وَمَا ذَكَرَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ ، وَفِيهِ تَدْرِيبُ الْأَتْبَاعِ وَتَعْلِيمُهُمْ ، وَأَخْذُ الْحَذَرِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ الْخَوْفُ مِنْهُ ، وَفَضْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأَنْصَارِ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفُضَلَاءِ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّعْيِينِ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْهَدِيَّةِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا .
( تَكْمِيلٌ ) : فِي السُّنَنِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ ، وَقَالَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ ، وَفَهِمَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ أَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ بِحَسَبِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يُتْرَكُ قَدْرُ احْتِيَاجِهِمْ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ : لَا يُتْرَكُ لَهُمْ شَيْءٌ . وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَالْمُتَحَصَّلُ مِنْ صَحِيحِ النَّظَرِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَدْرُ الْمُؤْنَةِ ، وَلَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا .
قَوْلُهُ : ( وقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ) هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ الْغَرِيبِ وَكَلَامُهُ هَذَا فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : هُوَ مِنَ الرِّيَاضِ كُلُّ أَرْضٍ اسْتَدَارَتْ ، وَقِيلَ : كُلُّ أَرْضٍ ذَاتِ شَجَرٍ مُثْمِرٍ وَنَخْلٍ ، وَقِيلَ : كُلُّ حُفْرَةٍ تَكُونُ فِي الْوَادِي يُحْتَبَسُ فِيهَا الْمَاءُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ ، وَيُقَالُ : الْحَدِيقَةُ أَعْمَقُ مِنَ الْغَدِيرِ وَالْحَدِيقَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الزَّرْعِ يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ الْمُشْتَرَكِ .