بَاب هَلْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَة غَيْرُه
بَاب هَلْ يَشْتَرِي صَدَقَتَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَة غَيْرُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَهَى الْمُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنْ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ 1489 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ : لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ، فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ : هَلْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ ؟ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ ، لِأَنَّ تَنْزِيلَ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى سَبَبِهِ يَضْعُفُ مَعَهُ تَعْمِيمُ الْمَنْعِ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِهِ بِالشِّرَاءِ بِدُونِ الْقِيمَةِ لِقَوْلِهِ : وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ . وَكَذَا إِطْلَاقُ الشَّارِعِ الْعَوْدَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى رُجُوعِ بَعْضِهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، قَالَ : وَقُصِدَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ شِرَاءِ الرَّجُلِ صَدَقَتَهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا دَقِيقٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا لِلنَّهْيِ الثَّابِتِ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فَسَادُ الْبَيْعِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَةَ غَيْرِهِ ) قَدِ اسْتُدِلَّ لَهُ بِمَا ذُكِرَ ، وَمُرَادُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ : لَا تَعُدْ . وَقَوْلُهُ : الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ . وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَعْمِيمَ الْمَنْعِ لَقَالَ : لَا تَشْتَرُوا الصَّدَقَةَ مَثَلًا ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ إِذَا حُوِّلَتِ الصَّدَقَةُ .
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عُمَرَ فِي تَصَدُّقِهِ بِالْفَرَسِ ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي شِرَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، فَسِيَاقُ الْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْأُولَى ، لَكِنْ حَيْثُ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِهِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ فَهِيَ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ ) أَيْ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَلَّكَهُ لَهُ ، وَلِذَلِكَ سَاغَ لَهُ بَيْعُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : كَانَ عُمَرُ قَدْ حَبَسَهُ ، وَإِنَّمَا سَاغَ لِلرَّجُلِ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ هُزَالٌ ، عَجَزَ لِأَجْلِهِ عَنِ اللَّحَاقِ بِالْخَيْلِ ، وَضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ ، وَانْتَهَى إِلَى حَالَةِ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمْلُ تَمْلِيكٍ قَوْلُهُ : وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ . وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لَعَلَّة بِهِ .