بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ فِجَاجًا الطُّرُقُ الْوَاسِعَةُ 1514 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ قِيلَ : إِنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنَّ الرَّاحِلَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِمَالِكٍ أَنَّ الرَّاحِلَةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ السَّبِيلِ ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ يَزْعُمُ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَى الرَّاجِلِ وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ . انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ ، ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانُوا لَا يَرْكَبُونَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ فَأَمَرَهُمْ بِالزَّادِ ، وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الرُّكُوبِ وَالْمَتْجَرِ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَا فَاتَنِي شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَيَّ أَنْ لَا أَكُونَ حَجَجْتُ مَاشِيًا ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ فَبَدَأَ بِالرِّجَالِ قَبْلَ الرُّكْبَانِ . قَوْلُهُ : ( فِجَاجًا : الطُّرُقُ الْوَاسِعَةُ ) قَالَ يَحْيَى الْفَرَّاءُ فِي الْمَعَانِي فِي سُورَةِ نُوحٍ : قَوْلُهُ : فِجَاجًا ، وَاحِدُهَا فَجٌّ ، وَهِيَ الطُّرُقُ الْوَاسِعَةُ . وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : يُقَالُ : الْفَجُّ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يُسَمَّ الطَّرِيقُ فَجًّا ، كَذَا قَالَ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ الْأَزْهَرِيُّ بِأَنَّ الْفَجَّ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ ، وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنَّ الْفَجَّ الطَّرِيقُ الْوَاسِعِ فِي جَبَلٍ أَوْ فِي قِبَلِ جَبَلٍ ، وَهُوَ أَوْسَعُ مِنَ الشِّعْبِ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فِجَاجًا ) يَقُولُ : طُرُقًا مُخْتَلِفَةً . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : طُرُقًا وَأَعْلَامًا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ : فَجٌّ عَمِيقٌ أَيْ بَعِيدُ الْقَعْرِ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ الْعَمِيقِ ، يُقَالُ : بِئْرٌ عَمِيقَةُ الْقَعْرِ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَحَدِيثَ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وَغَرَضُهُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا أَفْضَلُ لِتَقْدِيمِهِ فِي الذِّكْرِ عَلَى الرَّاكِبِ ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلْآيَةِ أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ فَجٌّ عَمِيقٌ وَالرُّكُوبُ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ : وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثَيْنِ شَيْءٌ مِمَّا تَرْجَمَ الْبَابَ بِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهِمَا الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَشْيِ .