حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَة

بَاب مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ 1524 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ ؛ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مُهَلُّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ) الْمُهَلُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَوْضِعُ الْإِهْلَالِ ، وَأَصْلُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ اتِّسَاعًا . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَإِنَّمَا يَقُولُهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَنْ لَا يَعْرِفُ .

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ : هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِهْلَالِ ، كَالْمُدْخَلِ وَالْمُخْرَجِ بِمَعْنَى الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؛ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي بِلَفْظِ : مُهَلِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ وَقَّتَ أَيْ حَدَّدَ ، وَأَصْلُ التَّوْقِيتِ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَكَانِ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : التَّوْقِيتُ وَالتَّأْقِيتُ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ ، وَهُوَ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمُدَّةِ ، يُقَالُ : وَقَّتَ الشَّيْءَ بِالتَّشْدِيدِ يُوَقِّتُهُ ، وَوَقَتَ بِالتَّخْفِيفِ يَقِتُهُ إِذَا بَيَّنَ مُدَّتَهُ ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَقِيلَ لِلْمَوْضِعِ : مِيقَاتٌ .

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قِيلَ : إِنَّ التَّوْقِيتَ فِي اللُّغَةِ التَّحْدِيدُ وَالتَّعْيِينُ ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّحْدِيدُ مِنْ لَوَازِمِ الْوَقْتِ ، وَقَوْلُهُ هُنَا : وَقَّتَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّحْدِيدُ ؛ أَيْ حَدَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لِلْإِحْرَامِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَعْلِيقُ الْإِحْرَامِ بِوَقْتِ الْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ بِالشَّرْطِ الْمُعْتَبَرِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : وَقَّتَ أَيْ حَدَّدَ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى أَوْجَبَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمَاضِيَةُ بِلَفْظِ : فَرَضَ .

قَوْلُهُ : ( وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ) ؛ أَيْ مَدِينَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . قَوْلُهُ : ( ذَا الْحُلَيْفَةِ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُصَغَّرًا مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِائَتَا مِيلٍ غَيْرِ مِيلَيْنِ ؛ قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : بَيْنَهُمَا عَشْرُ مَرَاحِلَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ أَمْيَالٍ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ : بَيْنَهُمَا مِيلٌ وَاحِدٌ ؛ وَهُوَ ابْنُ الصَّبَّاغِ .

وَبِهَا مَسْجِدٌ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الشَّجَرَةِ خَرَابٌ ، وَبِهَا بِئْرٌ يُقَالُ لَهَا : بِئْرُ عَلِيٍّ . قَوْلُهُ : ( الْجُحْفَةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسُ مَرَاحِلَ أَوْ سِتَّةٌ ، وَفِي قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : ثَلَاثُ مَرَاحِلَ ، نَظَرٌ . وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا مَهْيَعَةُ بِوَزْنِ عَلْقَمَةُ ، وَقِيلَ : بِوَزْنِ لَطِيفَةٍ ، وَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَ بِهَا ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : كَانَ الْعَمَالِيقُ يَسْكُنُونَ يَثْرِبَ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي عَبِيلٍ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهُمْ أخْوَةُ عَادٍ - حَرْبٌ ، فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ يَثْرِبَ ، فَنَزَلُوا مَهْيَعَةَ ، فَجَاءَ سَيْلٌ فَاجْتَحَفَهُمْ أَيِ اسْتَأْصَلَهُمْ ، فَسُمِّيَتِ الْجُحْفَةَ .

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ . وَالْمَكَانُ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ الْمِصْرِيُّونَ الْآنَ رَابِغُ بِوَزْنِ فَاعِلٍ ؛ بِرَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ، قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ ، وَاخْتَصَّتِ الْجُحْفَةُ بِالْحُمَّى فَلَا يَنْزِلُهَا أَحَدٌ إِلَّا حُمَّ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ ) أَمَّا نَجْدٌ فَهُوَ كُلُّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٌ ، وَهُوَ اسْمٌ لِعَشْرَةِ مَوَاضِعَ ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا الَّتِي أَعْلَاهَا تِهَامَةُ وَالْيَمَنُ وَأَسْفَلُهَا الشَّامُ وَالْعِرَاقُ .

وَالْمَنَازِلُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمَنْزِلِ ، وَالْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ هُوَ اسْمُ الْمَكَانِ ، وَيُقَالُ لَهُ : قَرْنٌ أَيْضًا بِلَا إِضَافَةٍ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَضَبَطَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَغَلَّطُوهُ ، وَبَالَغَ النَّوَوِيُّ فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى تَخْطِئَتِهِ فِي ذَلِكَ ، لَكِنْ حَكَى عِيَاضٌ تَعْلِيقَ الْقَابِسِيِّ أَنَّ مَنْ قَالَهُ بِالْإِسْكَانِ أَرَادَ الْجَبَلَ ، وَمَنْ قَالَهُ بِالْفَتْحِ أَرَادَ الطَّرِيقَ ، وَالْجَبَلُ الْمَذْكُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ مَرْحَلَتَانِ . وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْضِ قُدَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : قَرْنٌ ، مَوْضِعَانِ : أَحَدُهُمَا فِي هُبُوطٍ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : قَرْنُ الْمَنَازِلِ . وَالْآخَرُ فِي صُعُودٍ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : قَرْنُ الثَّعَالِبِ ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ .

وَفِي أَخْبَارِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ أَنَّ قَرْنَ الثَّعَالِبِ جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى أَسْفَلِ مِنًى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَقِيلَ لَهُ : قَرْنُ الثَّعَالِبِ ؛ لِكَثْرَةِ مَا كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ مِنَ الثَّعَالِبِ ، فَظَهَرَ أَنَّ قَرْنَ الثَّعَالِبِ لَيْسَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي إِتْيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَرَدِّهُمْ عَلَيْهِ ؛ قَالَ : فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ . الْحَدِيثَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ عَطَاءٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ : وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ ، وَلِمَنْ سَلَكَ نَجْدًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ قَرْنَ الْمَنَازِلِ . وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي سِيَاقِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا : وَلِأَهْلِ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ قَرْنَ ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءٍ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ؛ فَإِنَّ لِأَهْلِ الْيَمَنِ إِذَا قَصَدُوا مَكَّةَ طَرِيقَيْنِ : إِحْدَاهُمَا طَرِيقُ أَهْلِ الْجِبَالِ وَهُمْ يَصِلُونَ إِلَى قَرْنٍ أَوْ يُحَاذُونَهُ ، فَهُوَ مِيقَاتُهُمْ كَمَا هُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ .

وَالْأُخْرَى طَرِيقُ أَهْلِ تِهَامَةَ فَيَمُرُّونَ بِيَلَمْلَمَ أَوْ يُحَاذُونَهُ ، وَهُوَ مِيقَاتُهُمْ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ إِلَّا مَنْ أَتَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ ميم ؛ مَكَانٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثُونَ مِيلًا ، وَيُقَالُ لَهَا : أَلَمْلَمَ ؛ بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ ، وَالْيَاءُ تَسْهِيلٌ لَهَا ، وَحَكَى ابْنُ السَّيِّدِ فِيهِ : يَرَمْرَمَ ؛ بِرَاءَيْنِ بَدَلَ اللَّامَيْنِ . ( تَنْبِيهٌ ) : أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ ذُو الْحُلَيْفَةَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَقِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَعْظُمَ أُجُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .

وَقِيلَ : رِفْقًا بِأَهْلِ الْآفَاقِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ الْآفَاقِ إِلَى مَكَّةَ ، أَيْ مِمَّنْ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ . قَوْلُهُ : ( هُنَّ لَهُمْ ) أَيِ الْمَوَاقِيتُ الْمَذْكُورَةُ لِأَهْلِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ بِلَفْظِ : هُنَّ لَهُنَّ ؛ أَيِ الْمَوَاقِيتُ لِلْجَمَاعَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ لِأَهْلِهِنَّ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ ، وَوَقَعَ فِي بَابِ مُهَلِّ أَهْلِ الْيَمَنِ بِلَفْظِ : هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ كَمَا شَرَحْتُهُ .

وَقَوْلُهُ : هُنَّ ، ضَمِيرُ جَمَاعَةِ الْمُؤَنَّثِ ، وَأَصْلُهُ لِمَنْ يَعْقِلُ ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا يَعْقِلُ ، لَكِنْ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ . وَقَوْلُهُ : وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ ؛ أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا ذَاتَ مِيقَاتٍ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ ، فَالَّذِي لَا يَدْخُلُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ ، وَالَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ خِلَافٌ ؛ كَالشَّامِيِّ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَمِيقَاتُهُ ذُو الْحُلَيْفَةِ لِاجْتِيَازِهِ عَلَيْهَا ، وَلَا يُؤَخِّرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُحْفَةَ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُهُ الْأَصْلِيُّ ، فَإِنْ أَخَّرَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ ، وَنَفَى الْخِلَافَ فِي شَرْحَيْهِ لِمُسْلِمٍ وَالْمُهَذَّبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِلَّا فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لِلشَّامِيِّ مَثَلًا إِذَا جَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَى مِيقَاتِهِ الْأَصْلِيِّ - وَهُوَ الْجُحْفَةُ - جَازَ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَهُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ .

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ : وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ يَشْمَلُ مَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ ، وَقَوْلُهُ : وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ يَشْمَلُ الشَّامِيَّ إِذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَغَيْرِهِ ، فَهُنَا عُمُومَانِ قَدْ تَعَارَضَا ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَيَحْصُلُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : هُنَّ لَهُنَّ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ مَثَلًا : وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سَاكِنُوهَا وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ سَفَرِهِمْ فَمَرَّ عَلَى مِيقَاتِهِمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ عِرَاقِيٌّ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَةُ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، وَيَتَرَجَّحُ بِهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَيَنْتَفِي التَّعَارُضُ . قَوْلُهُ : ( مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ .

قَوْلُهُ : ( وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ ) ؛ أَيْ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ ) ؛ أَيْ : فَمِيقَاتُهُ مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ الْإِحْرَامَ ، إِذِ السَّفَرُ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : مِيقَاتُ هَؤُلَاءِ نَفْسُ مَكَّةَ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ فَمِيقَاتُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ ، أَيْ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ سَافَرَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلنُّسُكِ فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ النُّسُكُ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ تَجَدَّدَ لَهُ الْقَصْدُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْمِيقَاتِ ؛ لِقَوْلِهِ : فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَهْلَ مَكَّةَ ) يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالْكَسْرُ .

قَوْلُهُ : ( مِنْ مَكَّةَ ) ؛ أَيْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمِيقَاتِ لِلْإِحْرَامِ مِنْهُ ، بَلْ يُحْرِمُونَ مِنْ مَكَّةَ كَالْآفَاقِيِّ الَّذِي بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ ؛ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْمِيقَاتِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْحَاجِّ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَفْضَلِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُحْرِمُ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ . وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ . قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا جَعَلَ مَكَّةَ مِيقَاتًا لِلْعُمْرَةِ ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْقَارِنِ .

وَاخْتُلِفَ فِي الْقَارِنِ ؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمَ الْحَاجِّ فِي الْإِهْلَالِ مِنْ مَكَّةَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعُمْرَةَ إِنَّمَا تَنْدَرِجُ فِي الْحَجِّ فِيمَا مَحِلُّهُ وَاحِدٌ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَمَحِلُّهُ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ ، وَجَوَابُ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْحِلِّ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ أَنْ يَرِدَ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنَ الْحِلِّ فَيَصِحَّ كَوْنُهُ وَافِدًا عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ لِلْقَارِنِ لِخُرُوجِهِ إِلَى عَرَفَةَ - وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ - وَرُجُوعِهِ إِلَى الْبَيْتِ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَيْضًا . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ فَلَمْ يُحْرِمْ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ : يَأْثَمْ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ ، فَأَمَّا لُزُومُ الدَّمِ فَبِدَلِيلٍ غَيْرِ هَذَا ، وَأَمَّا الْإِثْمُ فَلِتَرْكِ الْوَاجِبِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : فَرَضَهَا ، وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ : يُهِلُّ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ، وَالْأَمْرُ لَا يَرِدُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ تَأْكِيدُهُ ، وَتَأْكِيدُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ ، وَسَبَقَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ : مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ ؟ .

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ . وَذَهَبَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَا يَصِحُّ حَجُّهُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَوْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : بِشَرْطِ أَنْ يَعُودَ مُلَبِّيًا ، وَمَالِكٌ : بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْعُدَ ، وَأَحْمَدُ : لَا يَسْقُطُ بِشَيْءٍ .

( تَنْبِيهٌ ) : الْأَفْضَلُ فِي كُلِّ مِيقَاتٍ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ طَرَفِهِ الْأَبْعَدِ مِنْ مَكَّةَ ، فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ طَرَفِهِ الْأَقْرَبِ جَازَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث