حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ الْعِرَاق

بَاب ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ الْعِرَاقِ 1531 - حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا ، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا . قَالَ : فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ . فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ) هِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا ؛ وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ ، وَالْمَسَافَةُ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، وَهُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ فُتِحَ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَمَّا فَتَحَ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ ، وَالتَّقْدِيرُ : لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ . وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ .

وَأَمَّا ابْنُ مَالِكٍ فَقَالَ : تَنَازَعَ فَتَحَ وَ أَتَوْا ، وَهُوَ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي وَإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إِلَى ضَمِيرِ عُمَرَ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُخْتَصَرًا ، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَدَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ . وَالْمِصْرَانِ تَثْنِيَةُ مِصْرَ ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْكُوفَةُ وَالْبَصْرَةُ ، وَهُمَا سُرَّتَا الْعِرَاقِ .

وَالْمُرَادُ بِفَتْحِهِمَا غَلَبَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَكَانِ أَرْضِهِمَا ، وَإِلَّا فَهُمَا مِنْ تَمْصِيرِ الْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ جَوْرٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ ؛ أَيْ مَيْلٌ . وَالْجَوْرُ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمِنْهَا جَائِرٌ قَوْلُهُ : ( فَانْظُرُوا حَذْوَهَا ) ؛ أَيِ اعْتَبِرُوا مَا يُقَابِلُ الْمِيقَاتَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي تَسْلُكُونَهَا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ فَاجْعَلُوهُ مِيقَاتًا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عُمَرَ حَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ : لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ شَيْئًا ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ بِحِيَالِ قَرْنٍ ذَاتَ عِرْقٍ .

وَرَوَى أَحْمَدُ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ وَزَادَ فِيهِ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَآثَرَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ عَلَى قَرْنٍ . وَلَهُ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ صَدَقَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ ؛ قَالَ : فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : فَأَيْنَ الْعِرَاقُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عِرَاقٌ . وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ ، وَوَقَعَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَرْنًا .

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ لِي بَعْضُهُمْ : إِنَّ مَالِكًا مَحَاهُ مِنْ كِتَابِهِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . قُلْتُ : وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ ، وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّهُ .

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ : لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ عِرْقٍ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ : لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَدَّ ذَاتَ عِرْقٍ ، وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسَ . وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ ذَاتِ عِرْقٍ لَيْسَ مَنْصُوصًا ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ ، وَالرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ ، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مَنْصُوصٌ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ ؛ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ - أَحْسِبُهُ رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ بِلَفْظِ : فَقَالَ : سَمِعْتُ ، أَحْسَبُهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَابنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، فَلَمْ يَشُكَّا فِي رَفْعِهِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا ، فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ رَأَى ضَعْفَ الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لَا يَخْلُو عَنْ مَقَالٍ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : رُوِيَتْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمْ نَجِدْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ حَدِيثًا ثَابِتًا ، انْتَهَى .

لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ يَقْوَى كَمَا ذَكَرْنَا ، وَأَمَّا إِعْلَالُ مَنْ أَعَلَّهُ بِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ يَوْمَئِذٍ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هِيَ غَفْلَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي قَبْلَ الْفُتُوحِ ، لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ ، فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، انْتَهَى . وَبِهَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ ، لَكِنْ يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ مِنْ قَالَ لَمْ يَكُنِ الْعِرَاقُ يَوْمَئِذٍ ؛ أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ نَاسٌ مُسْلِمُونَ ، وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ ؟ فَأَجَابَهُ . وَكُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ مِنْ قِبَلِهَا نَاسٌ مُسْلِمُونَ بِخِلَافِ الْمَشْرِقِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ ، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ بِأَجْوِبَةٍ ، مِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْوُجُوبِ ، وَالْعَقِيقَ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ . وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقِيقَ مِيقَاتٌ لِبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدَائِنِ ، وَالْآخَرُ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَمِنْهَا أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ الْآنَ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إِلَى مَكَّةَ ، فَعَلَى هَذَا فَذَاتُ عِرْقٍ وَالْعَقِيقُ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ، وَإِنَّمَا قَالُوا : يُسْتَحَبُّ احْتِيَاطًا .

وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنَ الرَّبَذَةِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَخُصَيْفٌ الْجَزَرِيُّ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ أَشْبَهُ فِي النَّظَرِ إِنْ كَانَتْ ذَاتُ عِرْقٍ غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَذَاتُ عِرْقٍ بَعْدَهَا ، وَالْحُكْمُ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ يُحَاذِيهِ ، لَكِنْ لَمَّا سَنَّ عُمَرُ ذَاتَ عِرْقٍ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْحَرَمِ ، فَذُو الْحُلَيْفَةِ شَامِيَّةٌ ، وَيَلَمْلَمُ يَمَانِيَةٌ ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْأُخْرَى ، وَقَرْنٌ شَرْقِيَّةٌ ، وَالْجُحْفَةُ غَرْبِيَّةٌ ، فَهِيَ مُقَابِلُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ ، وَذَاتُ عِرْقٍ تُحَاذِي قَرْنًا ، فَعَلَى هَذَا فَلَا تَخْلُو بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تُحَاذِيَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ وَلَا يُحَاذِي مِيقَاتًا هَلْ يُحْرِمُ مِنْ مِقْدَارٍ أَبْعَدَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ أَوْ أَقْرَبَهَا ؟ ثُمَّ حَكَى فِيهِ خِلَافًا ، وَالْفَرْضُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ لِمَا قُلْتُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ فَرَضَهُ فِيمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمُحَاذَاةِ كَمَنْ يَجْهَلُهَا ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا فِي تَوْقِيتِهِ ذَاتَ عِرْقِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا حَدَّهَا لِأَنَّهَا تُحَاذِي قَرْنًا ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ إِنَّمَا هِيَ حَيْثُ يَجْهَلُ الْمُحَاذَاةَ ، فَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِالْمَرْحَلَتَيْنِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، لَكِنَّ مُقْتَضَى الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ أَنْ يُعْتَبَرَ الْأَكْثَرُ الْأَبْعَدُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ مَنْ عَنْ شِمَالِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي عَنْ يَمِينِهَا أَقْرَبُ مِنَ الَّتِي عَنْ شِمَالِهَا ، فَيُقَدَّرُ لِلْيَمِينِ الْأَقْرَبُ وَلِلشِّمَالِ الْأَبْعَدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ثُمَّ إِنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْمُحَاذَاةِ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَمَامَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ ، فَأَمَّا مَنْ لَهُ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ كَالْمِصْرِيِّ مَثَلًا يَمُرُّ بِبَدْرٍ وَهِيَ تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا ، بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُحْفَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : الْعَقِيقُ الْمَذْكُورُ هُنَا وَادٍ يَتَدَفَّقُ مَاؤُهُ فِي غَوْرَيْ تِهَامَةَ ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَقِيقِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ بَابَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث