بَاب التَّلْبِيَة
بَاب التَّلْبِيَةِ 1549 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ . قوله : ( باب التلبية ) هي مصدر لبى ؛ أي قال : لبيك ، ولا يكون عامله إلا مضمرا . قَوْلُهُ : ( لَبَّيْكَ ) هُوَ لَفْظٌ مُثَنًّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ .
وَقَالَ يُونُسُ : هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ ، وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ . وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ . وَعَنِ الْفَرَّاءِ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ، وَأَصْلُهُ لَبًّا لَكَ ، فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ ؛ أَيِ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً ، بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ ، وَمَعْنَاهُ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ أَوْ إِجَابَةً لَازِمَةً .
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ ، أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ . وَقِيلَ : مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : دَارِي تَلُبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَحَبَّتِي لَكَ ؛ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمُ : امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ .
وَقِيلَ : إِخْلَاصِي لَكَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : حُبٌّ لَبَابٌ ؛ أَيْ خَالِصٌ . وَقِيلَ : أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ . وَقِيلَ : قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ ، وَهُوَ الْقُرْبُ .
وَقِيلَ : خَاضِعًا لَكَ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ ، وَلِهَذَا مَنْ دَعَا فَقَالَ : لَبَّيْكَ ، فَقَدِ اسْتَجَابَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، انْتَهَى .
وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِأَسَانِيدِهِمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ ، وَالْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ قَوِيَّةٌ ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ : أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ . قَالَ : رَبِّ ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي ؟ قَالَ : أَذِّنْ ، وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ . قَالَ : فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ .
فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ وَفِيهِ : فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ . وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ ، فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ .
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْحَمْدَ ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ : مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ ، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَةِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْكَسْرُ أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً . وَلَمَّا حَكَى الرَّافِعِيُّ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ .
قَوْلُهُ : ( وَالنِّعْمَةَ لَكَ ) الْمَشْهُورُ فِيهِ النَّصْبُ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ ، لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ إِلَّا لَكَ ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلُّهَا لِلَّهِ ؛ لأنه صَاحِبِ الْمُلْكِ . قَوْلُهُ : ( وَالْمُلْكَ ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ؛ وَتَقْدِيرُهُ : وَالْمُلْكُ كَذَلِكَ .
وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ : لَبَّيْكَ . الْحَدِيثَ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ مُلَبِّدًا ، يَقُولُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ .
الْحَدِيثَ . وَقَالَ فِي آخِرِهِ : لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ . وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْدَهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، فَعُرِفَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ ، وَزَادَ : لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ .
اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا : لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، قَالَ : كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ . وَبِزِيَادَةِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ، ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا ، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ . ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : فَهَذَا سَعْدٌ قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ ، وَبِهِ نَأْخُذُ ، انْتَهَى . وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرَهُ ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ .
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ : حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ . إِلَخْ . قَالَ : وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ ، وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ : وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَبُ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ ، قَالَ : وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : حَكَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ - أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ ، وَغَلِطُوا ، بَلْ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ .
وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ ، ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً . وَنَصَبَ الْبَيْهَقِيُّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فَقَالَ : الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرْفُوعِ أَحَبُّ ، وَلَا ضِيقَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا . قَالَ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ زَادَ فَحَسَنٌ .
وَحَكَى فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : وَلَا ضِيقَ عَلَى أَحَدٍ فِي قَوْلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارِ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَهَذَا أَعْدَلُ الْوُجُوهِ ، فَيُفْرِدُ مَا جَاءَ مَرْفُوعًا ، وَإِذَا اخْتَارَ قَوْلَ مَا جَاءَ مَوْقُوفًا أَوْ أَنْشَأَهُ هُوَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِمَّا يَلِيقُ قَالَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطَ بِالْمَرْفُوعِ . وَهُوَ شَبِيهٌ بِحَالِ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الْمَسْأَلَةِ وَالثَّنَاءِ مَا شَاءَ ؛ أَيْ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنَ الْمَرْفُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
( تَكْمِيلٌ ) : لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ التَّلْبِيَةِ ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ أَرْبَعَةٌ يُمْكِنُ تَوْصِيلُهَا إِلَى عَشْرَةٍ ؛ الْأَوَّلُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ . ثَانِيهَا : وَاجِبَةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ وَجَدَ لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْخَطَّابِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَحَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَلَّابِ قَالَ : التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الدَّمُ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمْ يَجِبْ .
وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَهُمْ بِتَرْكِ تَكْرَارِهَا دَمٌ ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ . ثَالِثُهَا : وَاجِبَةٌ ، لَكِنْ يَقُومُ مَقَامَهَا فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ ، وَبِهَذَا صَدَّرَ ابْنَ شَاسٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ كَلَامَهُ فِي الْجَوَاهِرِ لَهُ ، وَحَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مِثْلَهُ ، لَكِنْ زَادَ الْقَوْلَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ مِنَ الذِّكْرِ كَمَا فِي مَذْهَبِهِمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ . رَابِعُهَا أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الْإِحْرَامِ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهَا ؛ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالزُّبَيْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالُوا : هِيَ نَظِيرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ ، وَيُقَوِّيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَحْثِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ، قَالَ : التَّلْبِيَةُ فَرْضُ الْحَجِّ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَطَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ ، عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ كَوْنِهَا رُكْنًا .