بَاب الْإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة
بَاب الْإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ 1553 - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ، ثُمَّ رَكِبَ ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا ، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الْمحَرَمَ ثُمَّ يُمْسِكُ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ اغْتَسَلَ ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَعَلَ ذَلِكَ . تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ فِي الْغَسْلِ . 1554 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ الْإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ) زَادَ الْمُسْتَمْلِي : الْغَدَاةَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، لَا إِسْمَاعِيلُ الْقَطِيعِيُّ . وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، وَقَالَ : ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا رِوَايَةٍ .
قَوْلُهُ : ( إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ ) ؛ أَيْ صَلَّى الصُّبْحَ بِوَقْتِ الْغَدَاةِ . وَلِلْكُشمِيهنِيِّ : إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ ؛ أَيِ الصُّبْحَ . قَوْلُهُ : ( فَرُحِلَتْ ) بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ .
قَوْلُهُ : ( اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا ) ؛ أَيْ مُسْتَوِيًا عَلَى نَاقَتِهِ ، أَوْ وَصَفَهُ بِالْقِيَامِ لِقِيَامِ نَاقَتِهِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِلَفْظِ : فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً . وَفَهِمَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قَوْلِهِ : اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا ؛ أَيْ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : فِي السِّيَاقِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا ؛ أَيْ فَصَلَّى صَلَاةَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ رَكِبَ .
حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ مَا فِي الْأَصْلِ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ لِقُرْبِ إِهْلَالِهِ مِنَ الصَّلَاةِ ، انْتَهَى . وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، بَلْ صَلَاةُ الْإِحْرَامِ لَمْ تُذْكَرْ هُنَا ، وَالِاسْتِقْبَالُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الرُّكُوبِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمًا أَهَلَّ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُمْسِكُ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْحَرَمِ الْمَسْجِدَ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ التَّلْبِيَةِ التَّشَاغُلُ بِغَيْرِهَا مِنَ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ لَا تَرْكُهَا أَصْلًا ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُلَبِّي فِي طَوَافِهِ ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ، وَيُرَاجِعُهَا بَعْدَ مَا يَقْضِي طَوَافَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْحَرَمِ مِنًى ، يَعْنِي فَيُوَافِقُ الْجُمْهُورَ فِي اسْتِمْرَارِ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ : إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمِ ظَاهِرُهُ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى ، فَجَعَلَ غَايَةَ الْإِمْسَاكِ الْوُصُولُ إِلَى ذِي طُوًى ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمْسَاكِ تَرْكُ تَكْرَارِ التَّلْبِيَةِ وَمُوَاظَبَتِهَا وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا الَّذِي يُفْعَلُ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ لَا تَرْكُ التَّلْبِيَةِ رَأْسًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ذَا طُوًى ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَبِفَتْحِهَا - وَقَيَّدَهَا الْأَصِيلِيُّ بِكَسْرِهَا : وَادٍ مَعْرُوفٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ ، وَيُعْرَفُ الْيَوْمَ بِبِئْرِ الزَّاهِرِ ، وَهُوَ مَقْصُورٌ مُنَوَّنٌ ، وَقَدْ لَا يُنَوَّنُ . وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : حَتَّى إِذَا حَاذَى طُوًى ؛ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَفَتْحِ الذَّالِ ، قَالَ : وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ، لِأَنَّ اسْمَ الْمَوْضِعِ ذُو طُوًى لَا طُوًى فَقَطْ .
قَوْلُهُ : ( وَزَعَمَ ) هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ : وَيُحَدِّثُ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَيُّوبَ فِي الْغُسْلِ ) ؛ أَيْ وَغَيْرِهِ ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَةَ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ بِهِ ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى الْغُسْلِ ، بَلْ ذَكَرَهُ كُلَّهُ إِلَّا الْقِصَّةَ الْأُولَى ، وَأَوَّلُهُ : كَانَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ .
وَالْبَاقِي مِثْلُهُ ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ فُلَيْحٍ ، عَنْ نَافِعٍ الْمُقْتَصِرَةَ عَلَى الْقِصَّةِ الْأُولَى بِزِيَادَةِ ذِكْرِ الدُّهْنِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ التَّصْرِيحُ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، لَكِنَّهُ مِنْ لَازِمِ الْمُوَجَّهِ إِلَى مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالِاسْتِقْبَالِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، وإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى رِوَايَةِ فُلَيْحٍ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي بَيَّنْتُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَلَيْهِ فِي إِيرَادِهِ حَدِيثَ فُلَيْحٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لِلِاسْتِقْبَالِ ذِكْرٌ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالتَّلْبِيَةِ هُوَ الْمُنَاسِبُ ، لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلِأَنَّ الْمُجِيبَ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ الْمُجَابَ ظَهْرَهُ ، بَلْ يَسْتَقْبِلَهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدَّهِنُ لِيَمْنَعَ بِذَلِكَ الْقَمْلَ عَنْ شَعْرِهِ ، وَيَجْتَنِبُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ صِيَانَةً لِلْإِحْرَامِ .