حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب التَّمَتُّعِ وَالْإِقْرَانِ وَالْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ وَفَسْخِ الْحَجّ

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا ، وَيَقُولُونَ : إِذَا بَرَأ الدَّبَرْ ، وَعَفَا الْأَثَرْ ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ - حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ . قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً ، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْحِلِّ ؟ قَالَ : حِلٌّ كُلُّهُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ؛ أَيْ يَعْتَقِدُونَ ، وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ .

وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، فَعُرِفَ بِهَذَا تَعْيِينُ الْقَائِلِينَ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ) هَذَا مِنْ تَحَكُّمَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ غَيْرِ أَصْلٍ .

قَوْلُهُ : ( وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرَ ) كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِالْأَلِفِ ، وَلَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِهَا لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَنْصُوبًا ، لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ بِلَا خِلَافٍ ، يَعْنِي وَالْمَشْهُورُ عَنِ اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ كِتَابَةُ الْمَنْصُوبِ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كِتَابَتِهِ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَنْ لَا يُصْرَفَ ، فَيُقْرَأَ بِالْأَلِفِ . وَسَبَقَهُ عِيَاضٌ إِلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ ، لَكِنْ فِي الْمُحْكَمِ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا يَصْرِفُهُ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الصَّرْفُ حَتَّى يَجْتَمِعَ عِلَّتَانِ ، فَمَا هُمَا ؟ قَالَ : الْمَعْرِفَةُ وَالسَّاعَةُ .

وَفَسَّرَهُ الْمُطَرِّزِيُّ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالسَّاعَةِ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ سَاعَاتٌ ، وَالسَّاعَةُ مُؤَنَّثَةٌ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ صَفَرًا بِالْأَلِفِ . وَأَمَّا جَعْلُهُمْ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ النَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيُحِلُّونَهُ ، وَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى نَفْسِ صَفَرَ لِئَلَّا تَتَوَالَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مُحَرَّمَةٍ ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ وَالْغَارَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَضَلَّلَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْآيَةَ .

قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُونَ : إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ؛ أَيْ مَا كَانَ يَحْصُلُ بِظُهُورِ الْإِبِلِ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يبْرَأ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْحَجِّ ، وقَوْلُهُ : ( وَعَفَا الْأَثَرْ ) ؛ أَيِ انْدَرَسَ أَثَرُ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فِي سَيْرِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَثَرَ الدَّبَرِ الْمَذْكُورِ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : وعَفَا الْوَبَرْ ؛ أَيْ كَثُرَ وَبَرُ الْإِبِلِ الَّذِي حُلِقَ بِالرِّحَالِ ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُقْرَأْ سَاكِنَةَ الرَّاءِ لِإِرَادَةِ السَّجْعِ ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ بِانْسِلَاخِ صَفَرَ - مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَكَذَلِكَ الْمُحَرَّمُ - أَنَّهُمْ لَمَّا جَعَلُوا الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَلَا يَسْتَقِرُّونَ بِبِلَادِهِمْ فِي الْغَالِبِ وَيَبْرَأ دَبَرُ إِبِلِهِمْ إِلَّا عِنْدَ انْسِلَاخِهِ أَلْحَقُوهُ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ ، وَجَعَلُوا أَوَّلَ أَشْهُرِ الِاعْتِمَارِ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ صَفَرُ ، والْعُمْرَةُ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّهْرِ صَفَرًا فَقَالَ رُؤْبَةُ : أَصْلُهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُغِيرُونَ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَيَتْرُكُونَ مَنَازِلَهُمْ صَفَرًا ؛ أَيْ خَالِيَةً مِنَ الْمَتَاعِ ، وَقِيلَ : لِإِصْفَارِ أَمَاكِنِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا . قَوْلُهُ : ( قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا فِي الْأُصُولِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ وُهَيْبٍ بِلَفْظِ : فَقَدِمَ بِزِيَادَةِ فَاءٍ ، وَهُوَ الْوَجْهُ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيْبٍ .

قَوْلُهُ : ( صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ ) ؛ أَيْ يَوْمُ الْأَحَدِ . قَوْلُهُ : ( مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ : وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ : مُهِلِّينَ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ : كَانَ حَجُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفْرَدًا . وَأَجَابَ مَنْ قَالَ : كَانَ قَارِنًا ، بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ إِهْلَالِهِ بِالْحَجِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ .

قَوْلُهُ : ( أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً ، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ) ؛ أَيْ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ أَوَّلًا ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ : فَكَبُرَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ . قَوْلُهُ : ( أَيِ الْحِلُّ ) كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ فَأَرَادُوا بَيَانَ ذَلِكَ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَتَحَلَّلُونَ الْحِلَّ كُلَّهُ ، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا إِلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ : أَيُّ الْحِلِّ نُحِلُّ ؟ قَالَ : الْحِلُّ كُلُّهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث