حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْن

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ .

وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَ ابْنُ التِّينِ تَبَعًا لِابْنِ الْقَصَّارِ اسْتِلَامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَهُمَا لِأَنَّهُ لَمَّا عَمَّرَ الْكَعْبَةَ أَتَمَّ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . انْتَهَى . وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَاسْتَلَمَ الْكُلَّ ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِمُعَاوِيَةَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ فِي : كِتَابِ مَكَّةَ فَقَالَ : إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَرَدَّ الرُّكْنَيْنِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ وَاعْتَمَرَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ وَاسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ ، فَلَمْ يَزَلِ الْبَيْتُ عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِذَا طَافَ الطَّائِفُ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ جَمِيعَهَا حَتَّى قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ .

وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ آدَمَ لَمَّا حَجَّ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لَمَّا فَرَغَا مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ طَافَا بِهِ سَبْعًا يَسْتَلِمَانِ الْأَرْكَانَ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : ظَنَّ مُعَاوِيَةُ أَنَّهُمَا رُكْنَا الْبَيْتِ الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، لِمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ اسْتِلَامَ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ مِنَ التَّابِعِينَ . وَقَدْ يُشْعِرُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا فَذَكَرَ مِنْهَا وَرَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ الْحَدِيثَ بِأَنَّ الَّذِينَ رَآهُمْ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا لَا يَقْتَصِرُونَ فِي الِاسْتِلَامِ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : اخْتِصَاصُ الرُّكْنَيْنِ مُبَيَّنٌ بِالسُّنَّةِ وَمُسْتَنَدُ التَّعْمِيمِ الْقِيَاسُ ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا بِأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اسْتِلَامَهُمَا هَجْرًا لِلْبَيْتِ ، وَكَيْفَ يَهْجُرُهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِهِ ، وَلَكِنَّا نَتَّبِعُ السُّنَّةَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرًا لَكَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِ مَا بَيْنَ الْأَرْكَانِ هَجْرًا لَهَا وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حِفْظُ الْمَرَاتِبِ وَإِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَتَنْزِيلُ كُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلَتَهُ .

( فَائِدَةٌ ) : فِي الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ ، الْأَوَّلُ لَهُ فَضِيلَتَانِ : كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . وَلِلثَّانِي الثَّانِيَةُ فَقَطْ ، وَلَيْسَ لِلْآخَرَيْنِ شَيْءٌ مِنْهُمَا ، فَلِذَلِكَ يُقَبَّلُ الْأَوَّلُ وَيُسْتَلَمُ الثَّانِي فَقَطْ وَلَا يُقَبَّلُ الْآخَرَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ ، هَذَا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ . وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَقْبِيلَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ أَيْضًا .

( فَائِدَةٌ أُخْرَى ) : اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ تَقْبِيلِ الْأَرْكَانِ جَوَازَ تَقْبِيلِ كُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ ، فَأَمَّا تَقْبِيلُ يَدِ الْآدَمِيِّ فَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَقْبِيلِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَقْبِيلِ قَبْرِهِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ، وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ صِحَّةَ ذَلِكَ ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَانِيِّ أَحَدِ عُلَمَاءِ مَكَّةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازَ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَأَجْزَاءِ الْحَدِيثِ وَقُبُورِ الصَّالِحِينَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث