حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب عُمْرَةِ التَّنْعِيم

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلْحَةَ ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ الْهَدْيُ ، فَقَالَ : أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا ، إِلَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ ، فَقَالُوا : نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ . فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ . وَأَنَّ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ .

قَالَ : فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ بِالْحَجِّ ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحَجَّةِ . وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْعَقَبَةِ وَهُوَ يَرْمِيهَا ، فَقَالَ : أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ لِلْأَبَدِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَطَاءٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ .

قَوْلُهُ : ( وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلْحَةَ ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الْهَدْيَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارِ . وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ أَفْلَحَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بِلَفْظِ : وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ . وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ذَكَرَ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ الْقُرِّيِّ وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَكَانَ طَلْحَةُ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ وَهَذَا شَاهِدٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي ذِكْرِ طَلْحَةَ فِي ذَلِكَ ، وَشَاهِدٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَنَّ طَلْحَةَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ ، وَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهَا وَذَوِي الْيَسَارِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ .

قَوْلُهُ : ( وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ سِعَايَتِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الشَّرِكَةِ : فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَأَشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي : بَابِ مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ .

قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً ) زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ فِيهِ وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ قَالَ عَطَاءٌ : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ ، يَعْنِي إِتْيَانَ النِّسَاءِ ، لِأَنَّ لَازِمِ من الْإِحْلَالِ إِبَاحَةَ إِتْيَانِ النِّسَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ عَائِشَةَ حَاضَتْ ) فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ نَفْسِهَا كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَيْضَهَا كَانَ بِسَرِفَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ دُخُولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَشَكْوَاهَا ذَلِكَ لَهُ كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ طُهْرَهَا كَانَ بِعَرَفَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْهَا : وَطَهُرَتْ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ عَرَفَةَ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِهِ : فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْتُ ، ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ الْحَدِيثَ . وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا حَتَّى إِنَّهَا طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ .

وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى النَّقْلِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَاضَتْ يَوْمَ السَّبْتِ ثَالِثِ ذِي الْحِجَّةِ ، وَطَهُرَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَاشِرِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِي مُسْلِمٍ . وَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَقَوْلِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَهِيَ بِعَرَفَةَ وَلَمْ تَتَهَيَّأْ لِلِاغْتِسَالِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ مِنًى ، أَوِ انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا بِعَرَفَةَ وَمَا رَأَتِ الطُّهْرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ مِنًى ، وَهَذَا أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْطَلِقُ بِالْحَجِّ ) تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ عَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ تَرَكَتْ عُمْرَتَهَا وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الْحَجِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي : بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ .

قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ سُرَاقَةَ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَقَبَةِ وَهُوَ يَرْمِيهَا ) يَعْنِي وَهُوَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي وَهُوَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ هَذَا فِيهِ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي سَأَلَ فِيهِ سُرَاقَةُ عَنْ ذَلِكَ ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ كَذَلِكَ ، وَسِيَاقُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوا حَجَّهُمْ عُمْرَةً ، وَبِذَلِكَ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّ سُؤَالَهُ كَانَ عَنْ فَسْخِ الْحَجِّ عَنِ الْعُمْرَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ وَقَعَ عَنِ الْأَمْرَيْنِ لِتَعَدُّدِ الْمَكَانَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ لِلْأَبَدِ ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ أَلَنَا هَذِهِ خَاصَّةً وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَقَامَ سُرَاقَةُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلِعَامِنَا هَذِهِ أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ : دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ ، لَا بَلْ لِلْأَبَدِ أَبَدًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْعُمْرَةَ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِبْطَالًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ جَوَازُ الْقِرَانِ ، أَيْ دَخَلَتْ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَقَطَ وُجُوبُ الْعُمْرَةِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي النَّسْخَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ جَوَازُ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ ، قَالَ : وَهُوَ ضَعِيفٌ .

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ السُّؤَالِ يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنِ الْفَسْخِ وَالْجَوَابَ وَقَعَ عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَتَنَاوَلَ التَّأْوِيلَاتِ الْمَذْكُورَةَ إِلَّا الثَّالِثَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث