بَاب إِذَا أُحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ الْبَابِ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، فَجَزَمَ الْحَاكِمُ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ ، وَذَكَرَ الْكَلَابَاذِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ فِي أَصْلٍ عَتِيقٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ وُجِدَ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْمَذْكُورِ ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ فِي بَابِ الذَّبْحِ ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيَّ ، فَقَدْ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي سَبْقَ كَلَامٍ يَعْقُبُهُ قَوْلُهُ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَا بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ ؛ لِأَنَّهُمَا اقْتَصَرَا مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَدْ بَحَثْتُ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَسَّرَ اللَّهُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ ، فَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ لِابْنِ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا الصَّغَانِيُّ ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَحَدُ شُيُوخِ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ ، فَقَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ عَمَّنْ حُبِسَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ فقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ حُبِسَ فَلْيُجْزِئْ مِثْلَهَا وَهُوَ فِي حِلٍّ . قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : صَدَقَ ، وَحَدَّثْتُهُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَلَقَ ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا ، فَعُرِفَ بِهَذَا السِّيَاقِ الْقَدْرُ الَّذِي حَذَفَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالسَّبَبُ فِي حَذْفِهِ أَنَّ الزَّائِدَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، مَعَ كَوْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، فَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بِهِ ، وَقَالَ فِي آخَرِهِ : قَالَ عِكْرِمَةُ : فَسَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَا صَدَقَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَغَيْرِهِ فِي سِيَاقِهِ : سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَتَابَعَ مَعْمَرًا عَلَى زِيَادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا ، يَعْنِي : الْبُخَارِيَّ ، يَقُولُ : رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، وَمُعَاوِيَةَ أَصَحُّ ، انْتَهَى .
فَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَا هُوَ مِنْ شَرْطِ كِتَابِهِ ، مَعَ أَنَّ الَّذِي حَذَفَهُ لَيْسَ بَعِيدًا مِنَ الصِّحَّةِ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ عِكْرِمَةُ سَمِعَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَالْوَاسِطَةُ بَيْنَهُمَا - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ - ثِقَةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ . وَبِهَذَا الْحَدِيثِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ وَبِغَيْرِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَحَلَّلَ مِنْهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا يَجِبُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ .
وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .