بَاب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ
بَاب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ 1825 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ : إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ إِذَا أَهْدَى ) أَيِ : الْحَلَالُ ( لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَوْنِهِ حَيًّا ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَذْبُوحًا مُوَهَّمَةٌ ، وَسَأُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ .
إِلَخْ ) لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى مَالِكٍ فِي سِيَاقِهِ مُعَنْعَنًا ، وَأَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ الصَّعْبِ ، إِلَّا مَا وَقَعَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَهْدَى الصَّعْبُ وَالْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ الْأَوَّلُ ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَى وَالصَّعْبُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَأَبُوهُ جَثَّامَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَثْقِيلِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( حِمَارًا وَحْشِيًّا ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَتَابَعَهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : لَحْمُ حِمَارِ وَحْشٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، لَكِنْ بَيَّنَ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِبُ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حِمَارُ وَحْشٍ ثُمَّ صَارَ يَقُولُ : لَحْمُ حِمَارِ وَحْشٍ فَدَلَّ عَلَى اضْطِرَابِهِ فِيهِ ، وَقَدْ تُوبِعَ عَلَى قَوْلِهِ : لَحْمُ حِمَارِ وَحْشٍ مِنْ أَوْجُهٍ فِيهَا مَقَالٌ ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ : أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَالَ : لَحْمُ حِمَارٍ وَقَدْ خَالَفَهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ : حِمَارُ وَحْشٍ كَالْأَكْثَرِ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : رِجْلُ حِمَارِ وَحْشٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ حَسَنُ الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا خُولِفَ ، وَيَدُلُّ عَلَى وَهَمِ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ : الْحِمَارُ عَقِيرٌ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ عَوَانَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا .
وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِي أَهْدَاهُ الصَّعْبُ لَحْمُ حِمَارٍ ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَهْدَى الصَّعْبُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجْلَ حِمَارٍ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُ : عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ تَارَةً : حِمَارُ وَحْشٍ وَتَارَةً : شِقُّ حِمَارٍ وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ : كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَرَامٌ ؟ قَالَ : أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ وَقَالَ : إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ ، إِنَّا حُرُمٌ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا زَيْدُ بْنَ أَرْقَمَ ، هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ . وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ ، إِلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَكَلَ الْقَوْمُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ رَدَّ الْحَيَّ وَقَبِلَ اللَّحْمَ .
قُلْتُ : وَفِي هَذَا الْجَمْعِ نَظَرٌ لِمَا بَيَّنْتُهُ ، فَإِنْ كَانَتِ الطُّرُقُ كُلُّهَا مَحْفُوظَةً فَلَعَلَّهُ رَدَّهُ حَيًّا لِكَوْنِهِ صِيدَ لِأَجْلِهِ ، وَرَدَّ اللَّحْمَ تَارَةً لِذَلِكَ ، وَقَبِلَهُ تَارَةً أُخْرَى ، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : إِنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى لَهُ حِمَارًا حَيًّا ، فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ حِمَارَ وَحْشٍ حَيًّا ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمًا فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ . وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَدَّهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ فَتَرَكَهُ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ الْقَبُولُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى وَقْتٍ آخَرَ وَهُوَ حَالُ رُجُوعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَازِمٌ فِيهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ بِالْجُحْفَةِ ، وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّعْبُ أَحْضَرَ الْحِمَارَ مَذْبُوحًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدَّمَهُ لَهُ ، فَمَنْ قَالَ : أَهْدَى حِمَارًا ، أَرَادَ بِتَمَامِهِ مَذْبُوحًا حَيًّا ، وَمَنْ قَالَ : لَحْمُ حِمَارٍ أَرَادَ مَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ : حِمَارًا أَطْلَقَ وَأَرَادَ بَعْضَهُ مَجَازًا .
قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَهْدَاهُ لَهُ حَيًّا ، فَلَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ ذَكَّاهُ وَأَتَاهُ بِعُضْوٍ مِنْهُ ظَانًّا أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِجُمْلَتِهِ ، فَأَعْلَمَهُ بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ مِنَ الصَّيْدِ حُكْمُ الْكُلِّ ، قَالَ : وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِكَوْنِ الْحِمَارِ حَيًّا ، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ ، وَكَذَا نَقَلُوا هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مَذْبُوحٌ . انْتَهَى .
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَحْسُنْ إِطْلَاقُهُ بُطْلَانَ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : حَدِيثُ مَالِكٍ أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى حِمَارًا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَهْدَى لَحْمَ حِمَارٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ : لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ . قَوْلُهُ : ( بِالْأَبْوَاءِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ : جَبَلٌ مِنْ عَمَلِ الْفُرُعِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، قِيلَ : سُمِّيَ الْأَبْوَاءُ لِوَبَائِهِ عَلَى الْقَلْبِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ السُّيُولَ تَتَبَوَّؤُهُ ، أَيْ : تحمله . قَوْلُهُ : ( أَوْ بِوَدَّانَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَآخِرَهَا نُونٌ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْجُحْفَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ كَانَ بِالْجُحْفَةِ ، وَوَدَّانُ أَقْرَبُ إِلَى الْجُحْفَةِ مِنَ الْأَبْوَاءِ فَإِنَّ مِنَ الْأَبْوَاءِ إِلَى الْجُحْفَةِ لِلْآتِي مِنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا ، وَمِنْ وَدَّانَ إِلَى الْجُحْفَةِ ثَمَانِيَةَ أَمْيَالٍ ، وَبِالشَّكِّ جَزَمَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ ، وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِوَدَّانَ ، وَجَزَمَ مَعْمَرٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو بِالْأَبْوَاءِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْهُ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي . وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ وَكَذَا لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ : لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ كَرَاهِيَةً لَهُ ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ .
قَالَ عِيَاضٌ : ضَبَطْنَاهُ فِي الرِّوَايَاتِ : لَمْ نَرُدَّهُ بِفَتْحِ الدَّالِ ، وَأَبَى ذَلِكَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَقَالُوا : الصَّوَابُ أَنَّهُ بِضَمِّ الدَّالِ ؛ لِأَنَّ الْمُضَاعَفَ مِنَ الْمَجْزُومِ يُرَاعَى فِيهِ الْوَاوُ الَّتِي تُوجِبُهَا لَهُ ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا . قَالَ : وَلَيْسَ الْفَتْحُ بِغَلَطٍ ، بَلْ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ فِي الْفَصِيحِ . نَعَمْ تَعَقَّبُوهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَأَوْهَمَ صَنِيعُهُ أَنَّهُ فَصِيحٌ ، وَأَجَازُوا أَيْضًا الْكَسْرَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَوْجُهِ .
قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَكِّ الْإِدْغَامِ لَمْ نَرْدُدْهُ بِضَمِّ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ ) زَادَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنَدَ النَّسَائِيِّ : لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَوْلَا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى كَوْنِهِ مُحْرِمًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبُ الِامْتِنَاعِ خَاصَّةً ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَاللَّيْثِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، لِحَدِيثِ الصَّعْبِ هَذَا ، وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ : أَنَّهُ قَالَ لِنَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ : أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَ لَهُ رِجْلُ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ لَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا الظَّاهِرَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ أَنَّهُ : أُهْدِيَ لَهُ لَحْمُ طَيْرٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَوَقَفَ مَنْ أَكَلَهُ وَقَالَ : أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، وَحَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ : أَنَّ الْبَهْزِيَّ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، وَبِالْجَوَازِ مُطْلَقًا ، قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ ، وَجَمَعَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْقَبُولِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَصِيدُهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُهْدِي مِنْهُ لِلْمُحْرِمِ ، وَأَحَادِيثُ الرَّدِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ .
قَالُوا : وَالسَّبَبُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِحْرَامِ عِنْدَ الِاعْتِذَارِ لِلصَّعْبِ أَنَّ الصَّيْدَ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ إِذَا صِيدَ لَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُحْرِمًا ، فَبَيَّنَ الشَّرْطَ الْأَصْلِيَّ وَسَكَتَ عَمَّا عَدَاهُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ : إِنَّا حُرُمٌ ؛ لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ فَبَيَّنَ الْعِلَّتَيْنِ جَمِيعًا ، وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ تَفْصِيلٌ آخَرُ بَيَّنَ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَوْ بَعْدَ إِحْرَامِهِ فَلَا ، وَعَنْ عُثْمَانَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يُصَادُ لِأَجْلِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى مُحْرِمٍ آخَرَ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : حَدِيثُ الصَّعْبِ يُشْكِلُ عَلَى مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَعَلَى غَيْرِ الْمُحْرِمِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : قَوْلُهُ : فَرَدَّهُ عَلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ أَكْلَهُ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِإِرْسَالِهِ إِنْ كَانَ حَيًّا وَطَرْحُهُ إِنْ كَانَ مَذْبُوحًا ، فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْحُكْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِضِدِّهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَقْتُ الْبَيَانِ ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ أَصْلًا إِذْ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِهِ . وَفِي حَدِيثِ الصَّعْبِ الْحُكْمُ بِالْعَلَامَةِ لِقَوْلِهِ : فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي . وَفِيهِ جَوَازُ رَدِّ الْهَدِيَّةِ لِعِلَّةٍ ، وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ : مَنْ رَدَّ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ وَفِيهِ الِاعْتِذَارُ عَنْ رَدِّ الْهَدِيَّةِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْمُهْدِي ، وَأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمِلْكِ إِلَّا بِالْقَبُولِ ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى تَمَلُّكِهَا لَا تُصَيِّرُهُ مَالِكًا لَهَا ، وَأَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُرْسِلَ مَا فِي يَدِهِ مِنَ الصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ عَلَيْهِ اصْطِيَادُهُ .