بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ
بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ 1913- حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ ) بِالنُّونِ فِيهِمَا ، وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ بِحَضْرَتِهِ عِنْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَكْثَرِهِمْ ، أَوِ الْمُرَادُ نَفْسُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ ) هُوَ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَشَيْخُهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَيِ : ابْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، مَدَنِيٌّ ، سَكَنَ دِمَشْقَ ثُمَّ الْكُوفَةَ تَابِعِيٌّ شَهِيرٌ ، سَمِعَ عَائِشَةَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ كَالَّذِي قَبْلَهُ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّا ) أَيِ : الْعَرَبُ ، وَقِيلَ : أَرَادَ نَفْسَهُ . وَقَوْلُهُ : ( أُمِّيَّةٌ ) بِلَفْظِ النَّسَبِ إِلَى الْأُمِّ فَقِيلَ : أَرَادَ أُمَّةَ الْعَرَبِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكْتُبُ ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمَّهَاتِ ، أَيْ : أنَّهُمْ عَلَى أَصْلِ وِلَادَةِ أُمِّهِمْ ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هَذِهِ صِفَتُهَا غَالِبًا ، وَقِيلَ : مَنْسُوبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى ، وَقَوْلُهُ : ( لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ ) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ ، وَقِيلَ لِلْعَرَبِ : أُمِّيُّونَ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ عَزِيزَةً . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَكْتُبُ وَيَحْسِبُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ قَلِيلَةً نَادِرَةً ، وَالْمُرَادُ بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَابُ النُّجُومِ وَتَسْيِيرِهَا ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ ، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَابِ التَّسْيِيرِ وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ ، بَلْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا ، وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَقُلْ : فَسَلُوا أَهْلَ الْحِسَابِ ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ كَوْنُ الْعَدَدِ عِنْدَ الْإِغْمَاءِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ فَيَرْتَفِعُ الِاخْتِلَافُ وَالنِّزَاعُ عَنْهُمْ ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِ التَّسْيِيرِ فِي ذَلِكَ وَهُمُ الرَّوَافِضُ ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مُوَافَقَتُهُمْ .
قَالَ الْبَاجِيُّ : وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَقَدْ نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنِ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ لَيْسَ فِيهَا قَطْعٌ وَلَا ظَنٌّ غَالِبٌ ، مَعَ أَنَّهُ لَوِ ارْتَبَطَ الْأَمْرُ بِهَا لَضَاقَ ، إِذْ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْقَلِيلُ . قَوْلُهُ : ( الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ، يَعْنِي : مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ ) هَكَذَا ذَكَرَهُ آدَمُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ عَمَّا رَوَاهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى وَغَيْرُهُ عَنْهُ بِلَفْظِ : الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، يَعْنِي : تَمَامَ الثَّلَاثِينَ أَيْ : أَشَارَ أَوَّلًا بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ الْعَشْرَ جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ ، وَقَبَضَ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ، وَهَذَا الْمَعْبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، وَأَشَارَ مَرَّةً أُخْرَى بِهِمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : ثَلَاثُونَ ، وَفِي رِوَايَةِ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي : الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَخَنَسَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَوَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِ ، وَقَبَضَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَطَبَقَ الثَّالِثَةَ فَقَبَضَ الْإِبْهَامَ .
قَالَ : فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّمَا هَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ شَهْرًا فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، وَشَهْرٌ ثَلَاثُونَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ رَفْعٌ لِمُرَاعَاةِ النُّجُومِ بِقَوَانِينِ التَّعْدِيلِ ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ رُؤْيَةُ الْأَهِلَّةِ ، وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي مُرَاعَاةِ مَا غَمُضَ حَتَّى لَا يُدْرَكَ إِلَّا بِالظُّنُونِ غَايَةَ التَّكَلُّفِ . وَفِي الْحَدِيثِ مُسْتَنَدٌ لِمَنْ رَأَى الْحُكْمَ بِالْإِشَارَةِ ، قُلْتُ : وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ .