بَاب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ
بَاب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ علة وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ . وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ : يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ . 1935- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ، سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ، أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ : إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّهُ احْتَرَقَ ، قَالَ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ ، فَقَالَ : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ ؟ قَالَ : أَنَا ، قَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا .
قَوْلُهُ : ( بَابٌ : إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ ) أَيْ : عَامِدًا عَالِمًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعُهُ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ ) وَصَلَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَشُعْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُطَوَّسِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ ، وَإِنْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي : الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : أَبُو الْمُطَوَّسِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُطَوَّسِ لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ أَيْضًا : تَفَرَّدَ أَبُو الْمُطَوَّسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا أَدْرِي سَمِعَ أَبُوهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمْ لَا . قُلْتُ : وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَحَصَلَتْ فِيهِ ثَلَاثُ عِلَلٍ : الِاضْطِرَابُ وَالْجَهْلُ بِحَالِ أَبِي الْمُطَوَّسِ وَالشَّكُّ فِي سَمَاعِ أَبِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ تَخْتَصُّ بِطَرِيقَةِ الْبُخَارِيِّ فِي اشْتِرَاطِ اللِّقَاءِ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَشَارَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ قِيَاسًا عَلَى الْجِمَاعِ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا انْتَهَاكُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ بِمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ عَمْدًا . وَقَرَّرَ ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالْجِمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ آثَارَ الْإِفْطَارِ لِيُفْهَمَ أَنَّ الْإِفْطَارَ بِالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَاحِدٌ . انْتَهَى .
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالْآثَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا إِلَى أَنَّ إِيجَابَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ السَّلَفِ ، وَأَنَّ الْفِطْرَ بِالْجِمَاعِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ ، وَأَشَارَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ لَمْ يُجْزَمْ بِهِ عَنْهُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَظَاهِرُهُ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ فِي الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ ، بَلْ يَبْقَى ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ زِيَادَةً فِي عُقُوبَتِهِ ؛ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْقَضَاءِ تَقْتَضِي رَفْعَ الْإِثْمِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْقَضَاءِ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِهَا وَهُوَ الْجِمَاعُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِانْتِهَاكِ بِالْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ ظَاهِرٌ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ مَا مُحَصَّلُهُ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ أَيْ : لَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِدْرَاكِ كَمَالِ فَضِيلَةِ الْأَدَاءِ بِالْقَضَاءِ ، أَيْ : فِي وَصْفِهِ الْخَاصِّ ، وَإِنْ كَانَ يَقْضِي عَنْهُ فِي وَصْفِهِ الْعَامِّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِهْدَارُ الْقَضَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ . انْتَهَى .
وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، وَسِيَاقُ أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ) أَيْ : بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِّينَاهُ عَالِيًا فِي جُزْءِ هِلَالٍ الْحَفَّارِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ، فَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ وَاصِلٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ فُلَانِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ثُمَّ قَضَى طُولَ الدَّهْرِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِإِسْنَادٍ لَهُ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِيمَا أَوْصَاهُ بِهِ : مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ أَجْمَعَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادٌ : يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ) أَمَّا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَوَصَلَهُ مُسَدَّدٌ وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ ، قَالَ : يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَمْ أَرَ عَنْهُ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ ، بَلْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ قَالَ : كَتَبَ أَبُو قِلَابَةَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، قَالَ : يَصُومُ شَهْرًا .
قُلْتُ : فَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ : صِيَامُ شَهْرٍ . قَالَ : فَعَدَدْتُ أَيَّامًا ، قَالَ : صِيَامُ شَهْرٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي رَمَضَانَ ، فَإِذَا تَخَلَّلَهُ فِطْرُ يَوْمٍ عَمْدًا بَطَلَ التَّتَابُعُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ صِيَامِ شَهْرٍ كَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ بِنَذْرِ أَوْ غَيْرِهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ شَهْرٌ ، فَقَوْلُهُ : فَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ : صِيَامُ شَهْرٍ أَيْ : عَنْ كُلِّ يَوْمٍ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَرَوَى الْبَزَّارُ ، والدّارَقُطْنِيُّ مُقْتَضَى هَذَا الِاحْتِمَالِ مَرْفُوعًا عَنْ أَنَسٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَأَمَّا الشَّعْبِيُّ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي رَمَضَانَ عَامِدًا؟ قَالَ : يَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْهُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ كِلَاهُمَا عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ .
وَأَمَّا قَتَادَةُ فَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ . وَأَمَّا حَمَّادٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ هَذَا أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : يَحْيَى ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَفَوْقَهُمَا قَلِيلًا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَأَمَّا ابْنُ عَمِّهِ عَبَّادٌ فَمِنْ أَوَاسِطِ التَّابِعِينَ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَجُلًا ) قِيلَ : هُوَ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ احْتَرَقَ ) سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ : هَلَكْتُ وَرِوَايَةُ الِاحْتِرَاقِ تُفَسِّرُ رِوَايَةَ الْهَلَاكِ ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْإِثْمِ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ أَطْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ احْتَرَقَ لِذَلِكَ ، وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْوَصْفَ فَقَالَ : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( تَصَدَّقْ بِهَذَا ) هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا ، وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَفِيهِ : قَالَ : أَصَبْتُ أَهْلِي .
قَالَ : تَصَدَّقْ ، قَالَ : وَاللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ ، قَالَ : اجْلِسْ . فَجَلَسَ ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ ، فَقَالَ : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟ فَقَامَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا . فَقَالَ : أَعْلَى غَيْرِنَا؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ .
قَالَ : كُلُوهُ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ حَيْثُ جَزَمَ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ بِالْإِطْعَامِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصِّيَامِ وَالْعِتْقِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ حَفِظَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَصَّهَا عَلَى وَجْهِهَا وَأَوْرَدَتْهَا عَائِشَةُ مُخْتَصَرَةً ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ الطَّحَاوِيُّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِصَارَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُفَسَّرًا وَلَفْظُهُ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا فِي ظِلِّ فَارِعٍ - يَعْنِي : بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ فَقَالَ : احْتَرَقْتُ ، وَقَعْتُ بِامْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ . قَالَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً ، قَالَ : لَا أَجِدُهَا ، قَالَ : أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا ، قَالَ : لَيْسَ عِنْدِي فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَسَاقَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا ذِكْرُ صِيَامِ شَهْرَيْنِ ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ . ( تَنْبِيهٌ ) : اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، فَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ ، وَعَنْهُ يُكَفِّرُ فِي الْأَكْلِ بِالتَّخْيِيرِ وَفِي الْجِمَاعِ بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ ، وَعَنْهُ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : يُرَاعَى زَمَانُ الْخَصْبِ وَالْجَدْبِ ، وَقِيلَ : يُعْتَبَرُ حَالَةُ الْمُكَفِّرِ ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ .