بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ 2000 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنْ شَاءَ صَامَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ) أَيْ : مَا حُكْمُهُ . وَعَاشُورَاءُ بِالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحُكِيَ فِيهِ الْقَصْرُ ، وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ بِأَنَّ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ حَكَى أَنَّهُ سَمِعَ فِي كَلَامِهِمْ خَابُورَاءَ ، وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَهُ .
انْتَهَى . وَهَذَا الْأَخِيرُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى رَدِّ مَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الشَّرْعِ فِي تَعْيِينِهِ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ : هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : عَاشُورَاءُ مَعْدُولٌ عَنْ عَاشِرَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِلَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْعَقْدِ وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إِلَيْهَا ، فَإِذَا قِيلَ : يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ : يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنِ الصِّفَةِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَوْصُوفِ فَحَذَفُوا اللَّيْلَةَ ، فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ ، وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فَاعُولَاءَ إِلَّا هَذَا وَضَارُورَاءُ وَسَارُورَاءُ وَدَالُولَاءُ ، مِنَ الضَّارِّ وَالسَّارِّ وَالدَّالِّ ، وَعَلَى هَذَا فَيَوْمُ عَاشُورَاءَ هُوَ الْعَاشِرُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ : وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ وَالتَّسْمِيَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْيَوْمُ مُضَافٌ لِلَيْلَتِهِ الْمَاضِيَةِ ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ مُضَافٌ لِلَيْلَتِهِ الْآتِيَة ، وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ التَّاسِعِ عَاشُورَاءَ أَخْذًا مِنْ أَوْرَادِ الْإِبِلِ ، كَانُوا إِذَا رَعَوُا الْإِبِلَ ثَمَانِيَّةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَوْرَدُوهَا فِي التَّاسِعِ قَالُوا : وَرَدْنَا عِشْرًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَكَذَلِكَ إِلَى الثَّلَاثَةِ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ : انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ، قَالَ : إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا .
قُلْتُ : أَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ؟ قَالَ : نَعَمْ وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ ، لَكِنْ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَوْلُهُ : إِذَا أَصْبَحْتَ مِنْ تَاسِعِهِ فَأَصْبِحْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ الْعَاشِرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصْبِحُ صَائِمًا بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ مِنْ تَاسِعِهِ إِلَّا إِذَا نَوَى الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ وَهُوَ اللَّيْلَةُ الْعَاشِرَةُ . قُلْتُ : وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ . فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ وَهَمَّ بِصَوْمِ التَّاسِعِ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ مَا هَمَّ بِهِ مِنْ صَوْمِ التَّاسِعِ يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَلْ يُضِيفُهُ إِلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ ، إِمَّا احْتِيَاطًا لَهُ وَإِمَّا مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهُوَ الْأَرْجَحُ ، وَبِهِ يُشْعِرُ بَعْضُ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ ، صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ وَهَذَا كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءِ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِيمَا يُخَالِفُ فِيهِ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَاشْتُهِرَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ أَحَبَّ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ ، فَوَافَقَهُمْ أَوَّلًا وَقَالَ : نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ، ثُمَّ أَحَبَّ مُخَالَفَتَهُمْ فَأَمَرَ بِأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ يَوْمٌ قَبْلَهُ وَيَوْمٌ بَعْدَهُ خِلَافًا لَهُمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظِ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ الْعَاشِرِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَرَادَ نَقْلَ الْعَاشِرِ إِلَى التَّاسِعِ ، وَالثَّانِي : أَرَادَ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَيْهِ فِي الصَّوْمِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ بَيَانِ ذَلِكَ كَانَ الِاحْتِيَاطُ صَوْمَ الْيَوْمَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ : أَدْنَاهَا أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَهُ ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْحَادِي عَشَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، ثُمَّ بِالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي صِيَامِهِ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَيِ : ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَمِّ أَبِيهِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيِّ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ إِسْنَادِهِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنْ شَاءَ صَامَ ) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ مِنَ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا ، وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ : إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ : يَوْمُ عَاشُورَاءَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَقَالَ : كَانَ يَوْمٌ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : صَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ . فَيُحْمَلُ حَدِيثُ سَالِمٍ عَلَى ثَانِي الْحَالِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا نَافِعٌ فِي رِوَايَتِهِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ .