بَاب فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ
( كِتَابُ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ ) . كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ ، وَسَقَطَ هُوَ وَالْبَسْمَلَةُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ، وَالتَّرَاوِيحُ جَمْعُ تَرْوِيحَةٍ وَهِيَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الرَّاحَةِ كَتَسْلِيمَةٍ مِنَ السَّلَامِ . سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ التَّرَاوِيحَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَوَّلَ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا كَانُوا يَسْتَرِيحُونَ بَيْنَ كُلِّ تَسْلِيمَتَيْنِ ، وَقَدْ عَقَدَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بَابَيْنِ لِمَنِ اسْتَحَبَّ التَّطَوُّعَ لِنَفْسِهِ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ وَلِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ ، وَحَكَى فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَرِيحُونَ قَدْرَ مَا يُصَلِّي الرَّجُلُ كَذَا كَذَا رَكْعَةً .
قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَان ) أَيْ : قَامَ لَيَالِيَهُ مُصَلِّيًا ، وَالْمُرَادُ مَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُطْلَقُ الْقِيَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّهَجُّدِ سَوَاءٌ ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ ، يَعْنِي : أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الْمَطْلُوبُ مِنَ الْقِيَامِ لَا أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهَا ، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ عَنْ مَالِكٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ) كَذَا رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَتَابَعَهُ يُونُسُ ، وَشُعَيْبٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُهُمْ ، وَخَالَفَهُ مَالِكٌ فَقَالَ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَدَلَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَدْ صَحَّ الطَّرِيقَانِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَأَخْرَجَهُمَا عَلَى الْوِلَاءِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا .
وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ ، وَحَكَى أَنَّ أَبَا هَمَّامٍ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَخَالَفَ الْجَمَاعَةَ فَقَالَ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ سُفْيَانَ فَقَالُوا : عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ لِرَمَضَانَ ) أَيْ : لِفَضْلِ رَمَضَانَ أَوْ لِأَجْلِ رَمَضَانَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ : يَقُولُ عَنْ رَمَضَانَ . قَوْلُهُ : ( إِيمَانًا ) أَيْ : تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ ( وَاحْتِسَابًا ) أَيْ : طَلَبًا لِلْأَجْرِ لَا لِقَصْدٍ آخَرَ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ .
قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ ) ظَاهِرُهُ يَتَنَاوَلُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالصَّغَائِرِ ، وَبِهِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِذَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً . قَوْلُهُ : ( مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) زَادَ قُتَيْبَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : وَمَا تَأَخَّرَ وَكَذَا زَادَهَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى عِنْدَ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي الْجُزْءِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ فَوَائِدِهِ ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ النَّجَاحِيُّ فِي فَوَائِدِهِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ .
وَوَرَدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ كِلَاهُمَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ نَفْسِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، الْجُرْجَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ مِنْ طَرِيقِ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَيُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يُتَابِعْ بَحْرَ بْنَ نَصْرٍ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَهْبٍ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَلَا يُونُسَ سِوَى مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي غُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ جَمَعْتُهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَغْفِرَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ شَيْءٍ يُغْفَرُ وَالْمُتَأَخِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمْ يَأْتِ فَكَيْفَ يُغْفَرُ ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُ قَالَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ قِيلَ : إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ حِفْظِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ فَلَا تَقَعُ مِنْهُمْ كَبِيرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً ، وَبِهَذَا أَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ صِيَامِ عَرَفَةَ ، وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ : سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً آتِيَةً . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَمْرُ ( عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ : عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّرَاوِيحِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ النَّاسَ عَلَى الْقِيَامِ وَقَدْ أَدْرَجَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا؟ فَقِيلَ : نَاسٌ يُصَلِّي بِهِمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، فَقَالَ : أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا .
ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِيهِ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .