حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ

بَاب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ الْوَرَعِ ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ 2052 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا ، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ ؟ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِضَمَّتَيْنِ مُخَفَّفًا بِغَيْرِ مِيمٍ ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ تَاءٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ إِنَّ الشُّبُهَاتِ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْلَمُهَا ، أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُعَرِّفَ الطَّرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا لِتُجْتَنَبَ ، فَذَكَرَ أَوَّلًا مَا يَضْبِطُهَا ، ثُمَّ أَوْرَدَ أَحَادِيثَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مَرَاتِبُ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْهَا ، ثُمَّ ثَنَّى بِبَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْهَا ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِبَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يُكْرَهُ .

وَشَرْحُ ذَلِكَ : أَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلَهُ التَّحْرِيمُ أَوِ الْإِبَاحَةُ أَوْ يُشَكُّ فِيهِ ، فَالْأَوَّلُ كَالصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ قَبْلَ ذَكَاتِهِ فَإِذَا شَكَّ فِيهَا لَمْ يَزُلْ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ . وَالثَّانِي كَالطَّهَارَةِ إِذَا حَصَلَتْ لَا تُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينِ الْحَدَثِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَعَبْدٌ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ ، وَهُمَا عَلَى مِلْكِهِ . وَالثَّالِثُ مَا لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلُهُ وَيَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ التَّمْرَةِ السَّاقِطَةِ فِي الْبَابِ الثَّانِي .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الْعُبَّادِ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ : إِذَا شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ فَاتْرُكْهُ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ اجْتَمَعَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَحَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ فَقَالَ يُونُسُ : مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنَ الْوَرَعِ . فَقَالَ حَسَّانُ : مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْهُ ، قَالَ : كَيْفَ؟ قَالَ حَسَّانُ : تَرَكْتُ مَا يَرِيبُنِي إِلَى مَا لَا يَرِيبُنِي فَاسْتَرَحْتُ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : تَكَلَّمَ حَسَّانُ عَلَى قَدْرِ مَقَامِهِ ، وَالتَّرْكُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَشَدُّ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ تَحَمُّلِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَاقِّ الْفِعْلِيَّةِ .

وَقَدْ وَرَدَ قَوْلُهُ : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَمِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا . قَوْلُهُ : ( يَرِيبُكَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ الضَّمُّ يُقَالُ رَابَهُ يَرِيبُهُ بِالْفَتْحِ وَأَرَابَهُ يَرِيبُهُ بِالضَّمِّ رِيبَةً وَهِيَ الشَّكُّ وَالتَّرَدُّدُ ، وَالْمَعْنَى إِذَا شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ فَدَعْهُ ، وَتَرْكُ مَا يُشَكُّ فِيهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الْوَرَعِ .

وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ مَرْفُوعًا : لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْسُ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كُلُّ مَا شَكَكْتُ فِيهِ فَالْوَرَعُ اجْتِنَابُهُ . ثُمَّ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : وَاجِبٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمَكْرُوهٌ ، فَالْوَاجِبُ اجْتِنَابُ مَا يَسْتَلْزِمُهُ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ ، وَالْمَنْدُوبُ اجْتِنَابُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ ، وَالْمَكْرُوهُ اجْتِنَابُ الرُّخَصِ الْمَشْرُوعَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَطُّعِ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي الرَّضَاعِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ : ؟ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَمْرَهُ بِفِرَاقِ امْرَأَتِهِ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ إِنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَيَرْتَكِبَ الْحَرَامَ ، فَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا احْتِيَاطًا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ ، وَقِيلَ : بَلْ قَبِلَ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَسَتَأْتِي مَبَاحِثُهُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث