بَاب مَا يُتَنَزَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ
بَاب مَا يُتَنَزَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ 2055 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتُهَا . وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُتَنَزَّهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ : يُجْتَنَبُ ( مِنَ الشُّبُهَاتِ ) .
ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ يُكْرَهُ بَدَلَ يُتَنَزَّهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَطَلْحَةُ هُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ فَإِنَّهُ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ مِرَارًا ، وَصَرَّحَ يَحْيَى الْقَطَّانُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ مَنْصُورٍ ، وَسُفْيَانَ كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّقَطَةِ . قَوْلُهُ : ( مَسْقُوطَةٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ .
وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : مُسْقَطَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ ، قَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ قَوْلُهُ : مَسْقُوطَةٍ كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ سَقَطَ لَازِمٌ ، وَالْعَرَبُ قَدْ تَذْكُرُ الْفَاعِلَ بِلَفْظِ الْمَفْعُولِ; وَاسْتَشْهَدَ لَهُ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أَيْ : آتَيَا وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَسْقُوطَةٌ بِمَعْنَى سَاقِطَةٍ كَقَوْلِهِ حِجَابًا مَسْتُورًا أَيْ : سَاتِرًا . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي الشَّوَاهِدِ : قَوْلُهُ مَسْقُوطَةٍ بِمَعْنَى مُسْقَطَةٍ وَلَا فِعْلَ لَهُ ، وَنَظِيرُهُ مَرْقُوقٌ بِمَعْنَى مُرَقٍّ أَيْ : مُسْتَرَقٍّ عَنِ ابْنِ جِنِّي ، قَالَ : وَكَمَا جَاءَ مَفْعُولٌ وَلَا فِعْلَ لَهُ جَاءَ فِعْلٌ وَلَا مَفْعُولَ لَهُ ، كَقِرَاءَةِ النَّخَعِيِّ : ( عُمُوا وَصُمُّوا ) بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَلَمْ يَجِئْ مَصْمُومٌ اكْتِفَاءً بِأَصَمَّ . قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ : مَطْرُوحَةٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ قَبِيصَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ : بِتَمْرَةٍ وَلَمْ يَقُلْ مَسْقُوطَةٍ وَلَا مُسْقَطَةٍ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ هَمَّامٌ . إِلَخْ ) وَصَلَهُ فِي اللُّقَطَةِ بِتَمَامِهِ وَلَفْظُهُ : إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيَهَا . قُلْتُ : وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْكَرْمَانِيُّ لَفْظَ رِوَايَةِ هَمَّامٍ فَقَالَ : تَمَامُ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَذْكُورٍ ، وَهُوَ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لَأَكَلْتُهَا .
قُلْتُ : وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ الَّذِي رَأَى فِيهِ التَّمْرَةَ وَهُوَ فِرَاشُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْهَا وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْوَرَعِ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : لَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيَعْلَقُ بِثَوْبِهِ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ شَيْءٌ فَيَقَعُ فِي فِرَاشِهِ ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَكْلِهِ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ . قُلْتُ : وَلَمْ يَنْحَصِرْ وُجُودُ شَيْءٍ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّمْرُ حُمِلَ إِلَى بَعْضِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ مِمَّنْ هُوَ فِي بَيْتِهِ وَتَأَخَّرَ تَسْلِيمُ ذَلِكَ لَهُ ، أَوْ حُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ فَقَسَمَهُ فَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ .
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : تَضَوَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا أَسْهَرَكَ؟ قَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً سَاقِطَةً فَأَكَلْتُهَا ، ثُمَّ ذَكَرْتُ تَمْرًا كَانَ عِنْدَنَا مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَمَا أَدْرِي أَمِنْ ذَلِكَ كَانَتِ التَّمْرَةُ أَوْ مِنْ تَمْرِ أَهْلِي ، فَذَلِكَ أَسْهَرَنِي وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا اتَّفَقَ لَهُ أَكْلُ التَّمْرَةِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَقْلَقَهُ ذَلِكَ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا وَجَدَ مِثْلَهَا مِمَّا يُدْخِلُ التَّرَدُّدَ تَرَكَهُ احْتِيَاطًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ أَكْلِهِ إِيَّاهَا كَانَ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَفِي حَالِ تَرْكِهِ كَانَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : إِنَّمَا تَرَكَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَرُّعًا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَيْتِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ قَلِيلِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ كَثِيرِهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى .