بَاب كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَام - كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحَصْرِ بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ دَاوُدَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ; وَوَقَعَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ وَاهٍ : كَانَ دَاوُدُ زَرَّادًا ، وَكَانَ آدَمُ حَرَّاثًا ، وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا ، وَكَانَ إِدْرِيسُ خَيَّاطًا ، وَكَانَ مُوسَى رَاعِيًا وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْعَمَلِ بِالْيَدِ ، وَتَقْدِيمُ مَا يُبَاشِرُهُ الشَّخْصُ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا يُبَاشِرُهُ بِغَيْرِهِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ دَاوُدَ بِالذِّكْرِ أَنَّ اقْتِصَارَهُ فِي أَكْلِهِ عَلَى مَا يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا ابْتَغَى الْأَكْلَ مِنْ طَرِيقِ الْأَفْضَلِ ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِصَّتَهُ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ خَيْرَ الْكَسْبِ عَمَلُ الْيَدِ ، وَهَذَا بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَدْحُهُ وَتَحْسِينُهُ مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّكَسُّبَ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ ، وَأَنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ أَوْقَعُ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ .